103
أقول : من الواضح أنّه لا يعتبر في تواتر الخبر والاحتجاج بتواتره كونه متواتراً عند جميع الناس، كما زعمه ابن حجر، بل يعتبر كونه متواتراً في الجملة، وإلّا فيشكل بالكتاب العزيز
فإنّه ليس بمتواتر عند الكلّ، ومن جميع الطرق اتفاقاً، فلا يلزم مناقضة الشيعة لأنفسهم في استدلالهم بذلك لإثبات الإمامة، فإنّهم يدّعون تواتره من طرقهم ومن بعض طرق أهل السنّة. فقد ذكر الشيخ عماد الدين ابن كثير الشامي الشافعي في تأريخه عند ذكر أحوال محمد ابن جرير الطبري الشافعي: إنّي رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلّدين ضخمين، وكتاباً جمع فيه طرق حديث الطير 1، ونقل عن أبي المعالي الجوينى أنّه كان يتعجّب ويقول شاهدت مجلّداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه (المجلّدة الثامنة والعشرون من طرق «من كنت مولاه فعلىّ مولاه» ويتلوه المجلّدة التاسعة والعشرون) 2، ورواه ابن عقدة من الزيديّة في مائة وخمسة طرق، وأثبت الشيخ ابن الجزري الشافعي في رسالته الموسومة ب-( أسنى المطالب في مناقب علي بن أبيطالب) تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة ونسب منكره إلى الجهل والعصبية. وعموماً قد بلغ هذا الخبر في التواتر والاشتهار إلى حدّ لا يوازى به خبر من الإخبار، وتلقّاه محققوا الأمّة بالقبول والاعتبار، فلا يردّه إلّا معاند جاحد، أو من لا اطلاع له على كتب الأحاديث والآثار، فاتّضح بطلان ما مهّده من المقدّمة وما بناه عليها من الوجه الذي لا يبيض وجهه عند الأخيار.
ثمّ أقول: إنّ في روايته لحديث الغدير خصوصاً من طريق استدلّ به الشيعة إهمالاً وإخلالاً لا يخفى؛ لأنّ مضمون الحديث على الوجه المتّفق عليه بين الطريق المنقول لقدماء العامّة وبعض طرق أصحابنا هو أنّه لما نزل حين رجوع النبيّ (ص) عن حجّة الوداع قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ 3، نزل النبيّ (ص) بغدير خمٍّ وقت الظهر الذي لم يكن نزول المسافر فيه متعارفاً في يوم شديد الحرّ حتّى إنّ الرجل كان يضع رداءه تحت