49ثمّ بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حول القبر ، وبقي كذلك إلى أن بنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين ، وحرّفوهما حتّى التقيا ؛ لئلّا يتمكّن أحد من استقبال القبر .
هذا ولم تزل الحجرة مزاراً للمؤمنين معاذاً للّائذين .
ومن أحاط خبراً بتاريخ السلف وترجمة أحوال مهاجري الصحابة علم أنّهم كانوا كثيراً ما يقصدون المدينة لإدراك زيارة الحجرة المنوّرة .
ولولا خوف الإطالة لأتيتُ على ذكرهم ولملأتُ هذا الكرّاس من تراجمهم .
هذا ، ولم ينكر عليهم لا الشيخان ولا كبار الصحابة بشيء .
وهذا أمير المؤمنين علي عليه السلام أتى بعد موت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ووقف على قبره الشريف ، وخاطبه بقوله :
(طبت حيّاً ، وطبت ميّتاً . . . إلى قوله : بأبي أنت وأُمّي أذكرنا عند ربك ، واجعلنا من بالك وهمّك . . .) إلى آخر كلماته .
ووقف أيضاً يوم دفنه فاطمةَ عليها السلام على قبره ، وخاطبه بقوله :
(السلام عليك يا رسولاللّٰه عنّي وعن ابنتك النازلة بفنائك ، البائتة في الثرى ببقعتك . قلّ يا رسولاللّٰه عن صفيّتك صبري ، وعفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي . . .) إلى آخر كلماته .
وهذا حسين بن علي عليهما السلام سبطه وفرخه ؛ لما أراد المسير إلى العراق ، أتى قبر جدّه وضريحه ثلاثة أيّام ، زائراً مودّعاً داعياً مصلّياً ، سائلاً منه التكليف لأمره وحرمه وصحبه ؛ مخاطباً إيّآه بقوله :
(يا جدّاه أنا الحسين بن فاطمة ، فرخك وابن فرختك ، وسبطك الذي خلّفته في أُمّتك) .
هل ترون أنّه كان بذلك مخاطباً للأموات ؟
أم كان يسأله من أمره وتكليفه ؟
ولم يزل حتّى أجابه النبي صلى الله عليه و آله و سلم بقوله :
(اخرج إلى العراق ، فإنّ اللّٰه شاء أن يراك قتيلاً . . .) إلى آخر ما أجابه من أمر حرمه وعيالاته .