329الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحداً، وبانسلاب هذه الوحدة تتألّف كثرة عدديّة.
ولو صار الله سبحانه واحداً عدديّاً، أي موجوداً محدوداً منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات، لجاز للعقل أن يفترض له ثانياً بصرف النظر عمّا إذا كان هذا الثاني جائز التحقّق في الخارج أم لا، ومن ثمّ صحّ عند العقل أن يتّصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فُرض امتناعه في الواقع.
بيدَ أنّه سبحانه واحدٌ بحيث إنّه لا يُحَدّ بحدٍّ فيمكن فرض ثان له، وهذا هو معنى الآيات التي تنعته بالقهّارية بعد وصفه بالوحدة، إذ هي تدلّ على أنّ وحدته هي من النوع الذي لا يدَع مجالاً في أن يُفرض له ثانٍ مماثل بوجهٍ، فضلاً عن أن يظهر مثل هذا الثاني في الوجود ويكون له تحقّقٌ في الخارج.
يقول السيّد الطباطبائي في الاتّجاه الذي ينفي الوحدة العدديّة ويُثبت الوحدة القهّارة: «والقرآن ينفي في عالي تعاليمه الوحدة العدديّة عن الإله جلّ ذكره، فإنّ هذه الوحدة لا تتمّ إلّا بتمييز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمعدوديّة التي تقهره، والمقدريّة التي تغلبه، مثال ذلك: ماء الحوض إذا فرّقناه في آنيةٍ كثيرة، كان ماء كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر، وإنّما صار ماءً واحداً يتميّز عمّا في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه غير مجتمع معه» 1
فإذا ثبت أنّ الله سبحانه قاهر غير مقهور، وغالب لا يغلبه شيء مطلقاً، فلا تُتصوَّر في حقّه وحدة عدديّة ولا كثرة عدديّة. إذ يلازم الوحدة العدديّة المحدوديّة والمقهوريّة والفقدان، أمّا الوحدة الحقّة الحقيقيّة فيلازمها عدم المحدوديّة وعدم التناهي. وهذه من أهمّ صفات الله الثبوتيّة، التي تعني أن