188وبتعبير آخر: هل المراد نفي الشّبه فقط أم نفي أصل الجسميّة؟
فإن كان المراد نفي الجسميّة فليقولوا إذن بأنّه ليس بجسم، وبتعبير منطقي: اجعلوها سالبة بانتفاء الموضوع، وقولوا: ليس بجسم، كما قال بذلك أئمّة أهل البيت (ع)، وإلاّ فصريح كلامهم هو إثبات أصل الجسميّة ونفي شَبَههِ بسائر الأجسام، وأنّ هذا الجسم لا يشبه جسماً آخر، فأصل الجسميّة وخصائصها ثابتان في كلامهم، وهم صرّحوا بأنّ قولهم (الله جسم) المراد منه اللفظ والمعنى، فيطلق عليه لفظ الجسم ومعنى الجسم أيضاً .
ومن الشواهد على ذلك ما ورد في كتاب (التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري). فقد ورد في المتن: (قال إمام الحرمين في الرسالة النظاميّة: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر 1. فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصحّ من السنن، وذهب أئمّة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى) 2.
إذن فهم يطلقون اللفظ ولكن يقولون إنّ المعنى غير مرادٍ فيكون اللّفظ قد استعمل في غير ما وضع له، وهذا هو المجاز، وهذه نظريّة السلف.
لكن علي بن عبد العزيز يقول معلّقاً على هذه النظريّة: (نسبة تفويض معاني الصفات للسلف الصالح خطأ بالغ) أي أنّ نسبة هذا الكلام من إمام الحرمين للسلف غير صحيحة (وتجهيل لهم، وتقوّل عليهم بما لم يعتقدوه، وإنّما مذهبهم إثبات معاني الصفات وفهمها ومعرفتها، وتفويض كيفيّاتها فقط...) 3.