188أحد-و سنبيّن أنّ ذلك غير خاصّ به صلى الله عليه و آله و سلم بل مستحبّ لغيره-و إذا استحبّ زيارة قبر غيره صلى الله عليه و آله و سلم فقبره أولىٰ؛لما له من الحقّ و وجوب التعظيم.
فإن قلت:الفرق:أنّ غيره يزار للاستغفار له؛لاحتياجه إلىٰ ذلك،كما فعل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في زيارته أهل البقيع،و النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مستغنٍ عن ذلك؟
قلت:زيارته صلى الله عليه و آله و سلم إنّما هي لتعظيمه،و التبرّك به،و لتنالنا الرحمة بصلاتنا و سلامنا عليه،كما أنّا مأمورون بالصلاة عليه و التسليم،و سؤال الوسيلة،و غير ذلك ممّا يعلم أنّه حاصل له صلى الله عليه و آله و سلم بغير سؤالنا،و لكنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أرشدنا إلىٰ ذلك؛ لنكون بدعائنا له متعرّضين للرحمة التي رتّبها اللّٰه تعالى علىٰ ذلك.
فإن قلت:الفرق أيضاً:أنّ غيره لا يخشىٰ فيه محذور،و قبره صلى الله عليه و آله و سلم يخشى الإفراط من تعظيمه أن يُعْبَدَ؟!
قلت:هذا كلام تقشعرّ منه الجلود،و لو لا خشية اغترار الجهّال به لما ذكرته، فإنّ فيه تركاً لما دلّت عليه الأدلّة الشرعية بالآراء الفاسدة الخياليّة!
و كيف تقدم-علىٰ تخصيص قوله صلى الله عليه و آله و سلم:«زوروا القبور»و على ترك قوله:
«من زار قبري وجبت له شفاعتي»و على مخالفة إجماع السلف و الخلف-بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب و لا سنّة؟!
بخلاف النهي عن اتخاذه مسجداً،و كون الصحابة احترزوا عن ذلك المعنى المذكور؛لأنّ ذلك قد ورد النهي فيه.
و ليس لنا نحن أن نشرّع أحكاماً من قبلنا: أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللّٰهُ .
فمن منع زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقد شرع من الدين ما لم يأذنْ به اللّٰه! و قوله مردود عليه،و لو فتحنا باب هذا الخيال الفاسد لتركنا كثيراً من السنن،بل و من الواجبات.
و القرآن كلّه،و الإجماع المعلوم من الدين بالضرورة،و سير الصحابة