254
ذَرُوا اَلنَّاسَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ أَخَذُوا عَنِ اَلنَّاسِ وَ إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ص إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي ع يَقُولُ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا كَتَبَ عَلَى عَبْدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا اَلْأَمْرِ كَانَ أَسْرَعَ
قالوا لرسول الله صلى الله عليه و آله: لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا، و قوينا على عدونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و آله: ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إلى فيها شيئا و ما أنا من المتكلفين، فأنزل الله تبارك و تعالى يا محمد صلى الله عليه و آله " وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً "على سبيل الإلجاء و الاضطرار في الدنيا كما يؤمن عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة، و لو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا و لا مدحا و لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى و الكرامة، و دوام الخلود في جنة الخلد أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، و أما قوله عز و جل: " وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ "فليس على تحريم الإيمان عليها، و لكن على أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، و إذنه أمره لها بالإيمان، ما كانت مكلفة متعبدة و إلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف و التعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك.
"ذروا الناس"
أي اتركوا المخالفين و لا تتعرضوا لمعارضتهم و مجادلتهم، أو لدعوتهم أيضا تقية فإنهم أخذوا دينهم من الناس و اتبعوهم و ظنوا أن فعلهم و قولهم حجة، فلا يتركون دينهم بقولكم، و أنتم أخذتم دينكم عن رسول الله صلى الله عليه و آله بواسطة المعصومين من أهل بيته عليه السلام، و الغرض إما بيان المباينة بين المسلكين و البعد بين الطريقتين لبيان أن حجة الشيعة لا يؤثر فيهم فلا ينبغي لهم التعرض للمهالك لذلك أو هو تسلية للشيعة بأنكم لما كنتم على الحق فلا تبالوا بمخالفة من خالفكم، أو الغرض أنه إن كان غرضكم هدايتهم فقد سبق أنه من الله، و إن كان لتبين حجية مذهبكم فحجتكم واضحة لا نحتاج إلى ذلك.
و قيل: المعنى ذروا مخالطة الناس و موافقتهم، فإنكم على الحق و إنهم على الباطل، و لا يخفى بعده.