193
فَقَالَ لاَ جَبْرَ وَ لاَ قَدَرَ وَ لَكِنْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَهُمَا فِيهَا اَلْحَقُّ اَلَّتِي بَيْنَهُمَا لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اَلْعَالِمُ أَوْ مَنْ عَلَّمَهَا إِيَّاهُ اَلْعَالِمُ
قوله: التي بينهما،
مبتدأ "لا يعلمها" خبره، أشار عليه السلام إلى دقة المنزلة بين المنزلتين و غموضها، كما يظهر لمن تأمل فيها، فإنها أصعب المسائل الدينية، و قد تحير فيها العلماء من كل فرقة، قال إمامهم الرازي: حال هذه المسألة عجيبة فإن الناس كانوا فيها مختلفين أبدا بسبب أن ما يمكن الرجوع إليه فيها متعارضة متدافعة، فمعول الجبرية على أنه لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، و معول القدرية على أن العبد لو لم يكن قادرا على فعله لما حسن المدح و الذم و الأمر و النهي، و هما مقدمتان بديهيتان.
ثم من الدلائل العقلية اعتماد الجبرية على أن تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد، و اعتماد القدرية على أن أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم و دواعيهم و هما متعارضان، و من الإلزامات الخطابية أن القدرة على الإيجاد كما لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان، فإن أفعال العباد يكون سفها و عبثا فلا يليق المتعالي عن النقصان، و أما الدلائل السمعية فالقرآن مملوء مما يوهم بالأمرين، و كذا الآثار و أن أمة من الأمم لم تكن خالية من الفرقتين، و كذا الأوضاع و الحكايات متدافعة من الجانبين، حتى قيل: إن وضع النرد على الجبر و وضع الشطرنج على القدر، إلا أن مذهبنا أقوى بسبب أن القدح في قولنا لا يترجح الممكن إلا بمرجح [لا]يوجب انسداد باب إثبات الصانع.
و نحن نقول: الحق ما قال بعض أئمة الدين: أنه لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين، و ذلك لأن مبني المبادئ القريبة لأفعال العبد على قدرته و اختياره، و المبادئ البعيدة على عجزه و اضطراره، فإن الإنسان مضطر في صورة مختار، كالقلم في يد الكاتب، و الوتد في شق الحائط، و في كلام بعض العقلاء: قال الحائط للوتد:
لم تشقني؟ قال: سل من يدقني"انتهى"و إنما أوردت كلامه لبيان حيرتهم و اعترافه بالأمر بين الأمرين، و إن لم يبين معناه على وجه يرفع الإشكال من البين.