145
. . . . . . . . . .
في الوجود العيني و بالإرادة و تحريك الأسباب نحو وجودها العيني ميز بعضها عن بعض بتخصيص تحريك الأسباب نحو وجود بعض دون بعض، و بالتقدير قدرها و عين و حدد أقواتها و أوقاتها و آجالها، و بالقضاء و إيجابها بموجباتها أظهر للناس أماكنها و دلهم عليها بدلائلها، فاهتدوا إلى العلم بوجودها حسب ما يوجبه الموجب بعد العلم بالموجب، و بالإمضاء و الإيجاد أوضح تفصيل عللها و أبان أمرها بأعيانها، و ذلك تقدير العزيز العليم، فبالعليم أشار إلى مرتبة أصل العلم، و بالعزيز إلى مرتبة المشية و الإرادة و بإضافة التقدير إلى العزيز العليم إلى تأخره عن العز بالمشية و الإرادة اللتين يغلب بهما على جميع الأشياء، و لا يغلبه فيهما أحد مما سواه و بتوسيط العزيز بين التقدير و العلم إلى تأخره عن مرتبة العلم، و تقدم مرتبة العلم عليه، كتقدمه على التقدير.
و قال بعضهم: أشار عليه السلام بقوله إلى ستة مراتب بعضها مترتب على بعض:
أولها: العلم لأنه المبدأ الأول لجميع الأفعال الاختيارية، فإن الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلا بعد القصد و الإرادة، و لا يصدر عنه القصد و الإرادة إلا بعد تصور ما يدعوه إلى ذلك الميل و تلك الإرادة و التصديق به تصديقا جازما أو ظنا راجحا، فالعلم مبدء مبادئ الأفعال الاختيارية، و المراد به هنا هو العلم الأزلي الذاتي الإلهي أو القضائي المحفوظ عن التغير فينبعث منه ما بعده، و أشار إليه بقوله: علم، أي دائما من غير تبدل.
و ثانيها: المشية، و المراد بها مطلق الإرادة، سواء بلغت حد العزم و الإجماع أم لا، و قد تنفك المشية فينا عن الإرادة الحادثة.
و ثالثها: الإرادة و هي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوره و تصور الغاية المترتبة عليه من خير أو نفع أو لذة، لكن الله بريء عن أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته.
و رابعها: التقدير فإن الفاعل لفعل جزئي من أفراد طبيعة واحدة مشتركة، إذا عزم على تكوينه في الخارج كما إذا عزم الإنسان على بناء بيت، فلا بد قبل الشروع