217إنّ هذا الكلام باطل جزماً، فلا ملازمة بين الأمرين، وذلك بالبيان التالي:
أوّلاً: إنّ العادة المطّردة ليست هي الدليل؛ وذلك لأنّ تقدير الله تعالى لأيّ أمر خاضع لنظام المصلحة، فهناك ملاكات يعلمها ويقدّرها المولى جلّ شأنه، وخوارق العادات كثيرة لا تحصى، ومسألة طول العمر هي من تلك المعاجز، وهي خاضعة لهذا القانون الإلهي الربّاني، فالمصلحة اقتضت تقدير هذا الأمر، وهذا ليس بدعاً، فالقرآن الكريم قد صدعت آياته المحكمات بهذه الحقيقة محدّثاً عن شيخ الأنبياء نوح(ع) حيث عاش مبلّغاً وداعياً إلى الله قرابة ألف سنة، قال تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّٰ خَمْسِينَ عٰاماً (العنكبوت: 14).
وأيضاً امتلأت كتب المسلمين من الفريقين بذكر المعمّرين ككتاب (المعمّرين) لأبيحاتم السجستاني، و إكمال الدين للصدوق، والكراجكي في رسالته التي وسمها باسم «البرهان على صحّة طول عمر الإمام صاحب الزمان» وغيرهم.
إذن فالتشكيك في هذا الأمر في الحقيقة يعود إلى الشكّ في قدرة الله جلّ وعلا، الذي يقود في النهاية إلى نسبة الظلم إليه عزّ شأنه.
ثانياً: إنّ التفريق والتمييز بين أُمّة وأُخرى - سواء كان قبل الإسلام أو بعده - لامعنى له، فليس هناك خصوصيّة أو مدخليّة للوقت، فليس بمقدورنا أن نقول: إنّ هذه الأُمّة تختلف عن الأُمّة الأُخرى فتلك مدّ الله في عمر أنبيائهم - مثلاً - وهذه ليس كذلك !! فهذا الكلام خارج عن إرادة الإنسان؛ لأنّ الملاك في ذلك راجع لتقدير الله وإرادته، وهو العالم والمقدّر لذلك.
ثالثاً: أمّا ما استشهد به في صحيح البخاري فهو حجّة عليهم لا علينا، وهذا واضح. نعم، لو كان احتجاجه من كتبنا نسلّم به، أضف إلى ذلك أنّه خبر آحاد.
قال الشيخ أبو ريّة: «قال الجمهور: إنّ أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعاً ولو