102والحجّاج الذي يدور حول التسبيحات الأربع، فمن وجهة نظر هذا الزائر لا تكمن قيمة الكعبة وشموخها في ارتفاع جدرانها، وإنّما في رفعة الله تعالي لإسمها وذكرها وهو الأساس في رفعة الطائفين، تماماً كما كان الرسول(ص) مرفوع الذكر وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ 1، وإلاّ فالكعبة وسط الأبنية والأبراج العالية المحيطة بها لا يظهر منها ولايبرز شيء سوي منارات المسجد الحرام.
2- قيام أسس الكعبة علي التوحيد المحض
إنّ بناء الكعبة وتعيين أبعادها وشكلها إنّما هو بهداية من الله سبحانه، قال تعالي: وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ أَنْ لاٰ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً 2، فهذه الآية تعني أنّ مكان الكعبة وهندستها مع رعاية الموضع الخاص لها إنّما حصل بهداية إلهيّة، علي أساس التوحيد الصرف، بحيث ليس ثمّة شرك إطلاقاً أعمّ من الشرك الجليّ والخفي بمكّة يمكنه أن يلوّثها.
وانطلاقاً من أنّ «كلّ أثر هو مظهرٌ للمؤثّر وكلّ مؤثّر متجلّي في أثره»، فإنّ أيّ وصف ممتاز لحقّ الشخصيّة البارزة، للنبيّين الكبيرين والبانيين العظيمين للكعبة؛ أي الخليل والذبيح، وجاء في النقل حولهما، يعدّ سنداً دالاًّ علي رسم خطوط المظهر المعنوي للكعبة، وهو بمثابة شرح لمصالح بنائها، وعليه فكما لم يكن إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانيّاً، وإنّما كان حنيفاً، وسطاً، مسلماً، موحِّداً، ومنقاداً محضاً، ذائباً في التوحيد، معصوماً من تأثير أيّ نوع من أنواع الشرك، يمكن أن تكون أوصاف الاعتدال والتوحيد والانقياد من عناصر هندسة الكعبة، كما يظهر في بنائها خلوص وصفاء بنّائيها، فقد مزجت هندستها بقداسة الخلوص.
من هنا، فكلّ من كان أكثر قرباً لإبراهيم وأليق به كان أكثر لياقة لأن يكون