101بقرينة الحديث الذي يبيّن سرّ تربيع الكعبة 1 يحكي لنا بدلالته الباطنية عن الارتباط الوجودي ما بين عوالم الطبيعة والمثال والعقل، وهو الطريق الذي يبدو طيّه لنيل الحقائق ممكناً، فالتأمّل والتدبّر في المعارف مستفاد من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.
إنّ الروح الطاهرة لزوّار الكعبة ستصل - بالإمداد الإلهي ونيل توفيق المتعالي والصعود والرقيّ - إلي المقام الشامخ للبيت المعمور ثمّ إلي مقام العرش، قال تعالي: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ 2، وكما أن تنزل العرش الإلهي، وكذلك البيت المعمور علي نحو التجلّي لا التجافي، كذلك في الإنسان وتعاليه نحو المقام الأعلي يكون في صورة الصعود الروحاني، لا الترقّي المكاني أو التجافي الأرضي، وعليه فإذا لم يدرك الزائر هذا المعني الراقي ولم يكن هدفه من الطواف حول الكعبة هو التعالي الروحي، ولم يرَ هذا البيت معادلاً للبيت المعمور، ولميفهم أنّ هذا البيت المكعّب كالعرش في الأرض، فلن يدرك المكانة الرفيعة للكعبة، ولن يعقد طرفاً لنفسه للقبول بمصطلح علم الكلام، رغم أنّه استفاد من الصحّة والقبول السائدين في علم الفقه.
إنّ المقيم للحجّ والمعتمر الذي يفكّر تفكيراً أرضيّاً يطوف حول الكعبة، إنّه محدود التفكير في أن لا يتخطّي الحدود الفقهيّة للمطاف (26/5 ذراعاً أو 13 متراً وزيادة)، إلاّ أنّ الذي تكون همّته وفكره أعلي وأرفع يطوف بالكعبة والبيت المعمور، فيما الطائف الأعمق نظراً يتخطّي الآخرين فيطوف حول الكعبة والبيت المعمور والعرش، ومثل هذا الحاج والمعتمر يصير قلبه عرش الرحمن، إنّه الأوحدي من المعتمرين