62 ضمائرهم،و صافحوا الموت في بسالة فائقة،و تلقوه في صبر جميل يثير في النفس الاعجاب و الاكبار،و يشيع فيها ألوان التقدير و الاعظام.و قد أسرف خصوم هذه الأسرة الطاهرة في محاربتها،و أذاقوها ضروب النكال،و صبوا عليها صنوف العذاب،و لم يرقبوا فيها إلا و لا ذمة،و لم يرعوا لها حقا و لا حرمة،و أفرغوا بأسهم الشديد على النساء و الأطفال،و الرجال جميعا،في عنف لا يشوبه لين،و قسوة لا تمازجها رحمة،حتى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال،في فضاعة النكال،و قد فجرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة و المودة في قلوب الناس،و أشاعت الأسف الممض في ضمائرهم،و ملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا،و صارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثا يروى،و خبرا يتناقل،و قصاصا تقص،يجد فيها الناس إرضاء عواطفهم و إرواء مشاعرهم،فتطلبوه و حرصوا عليه» 33 .
نعم لقد اقترن تاريخ الشيعة بأنواع الظلم و النكال،و القتل و التشريد،بحيث لم تشهده أي طائفة أخرى من طوائف المسلمين.بلى لم ير الأمويون و العباسيون و لا الملوك الغزانوة و لا السلاجقة و لا من أتى بعدهم أي حرمة لنفوسهم و أعراضهم و علومهم و مكتباتهم،فحين كان اليهود و النصارى يسرحون و يمرحون في أرض الإسلام و المسلمين،و قد كفل لهم الحكام حرياتهم باسم الرحمة الإسلامية،كان الشيعة يؤخذون تحت كل حجر و مدر،و يقتلون بالشبهة و الظنة،و تشرد أسرهم،و تصادر أموالهم،و لا يجدون بدا من أن يخفوا كثيرا من عقائدهم خوف النكال و القتل،و بأيدي و قلوب نزعت منها الرحمة،فلا تثريب إذن على الشيعي أمام هذه الوحشية المسرفة من أن يتعامل مع أخيه المسلم بالتقية،و أن يظهر خلاف ما يعتقده،بل اللوم أجمعه يقع على من حمله على ذلك،بعد أن أباح دمه و عرضه و ماله.هذا هو طغرل بيك أول ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447 ه-،و شن على الشيعة حملة شعواء،و أمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير،وزير بهاء الدولة البويهي،و كانت من دور العلم المهمة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلة بين السورين في الكرخ سنة 381 هعلى مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد،و كانت من الأهمية العلمية بمكان،حيث جمع فيها هذا الوزير ما تفرق من كتب فارس و العراق،و استكتب تآليف أهل الهند و الصين و الروم،كما قاله محمد كرد علي،و نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار و مهام الأسفار،و أكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين 34 .
قال يا قوت الحموي:و بها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة،و لم يكن في الدنيا أحسن كتابا منها،كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة و أصولهم المحررة 35 .
و كان من جملتها مصاحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير 36 .
و لما كان الوزير سابور من أهل الفضل و الأدب،فقد أخذ العلماء يهدون إليه مصنفاتهم المختلفة،فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد،و قد أحرقت هذه المكتبة العظيمة في جملة ما احترق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بيك،و توسعت الفتنة حتى اتجهت إلى شيخ الطائفةو أصحابه فأحرقوا كتبه و كرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام.