45و ثالثا:إن التشيع السياسي ظهر في أيام السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية،فإن الطبري و غيره و إن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير و العباس إلى علي،و لكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية .
فقد روى الصدوق عن زيد بن وهب انه قال:كان الذين أنكروا على أبي بكر تقدمه على علي بن أبي طالب اثنا عشر رجلا من المهاجرين و الأنصار،فمن المهاجرين:خالد بن سعيد بن العاص،و المقداد بن الأسود،و ابي بن كعب،و عمار بن ياسر،و أبو ذر الغفاري،و سلمان الفارسي،و عبد الله بن مسعود،و بريدة الأسلمي.
و من الأنصار:زيد بن ثابت،و ذو الشهادتين،و ابن حنيف،و أبو أيوب الأنصاري،و أبو الهيثم بن التيهان.
و بعد ما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد بن سعيد:يا أبا بكر اتق الله...ثم استدل على تقدم علي بما ذكره النبي فقال:معاشر المهاجرين و الأنصار،أوصيكم بوصية فاحفظوها،و أني مؤد إليكم أمرا فاقبلوه:ألا أنعليا أميركم من بعدي و خليفتي فيكمإلى آخر ما ذكرهثم قام أبو ذر و قال:يا معاشر المهاجرين و الأنصار...طرحتم قول نبيكم و تناسيتم ما أوعز إليكم.ثم ذكر مناشدة كل منهم مستندين في احتجاجهم على أبي بكر بالأحاديث التي سمعوها من النبي الأكرم 67 .و هذا يعرب عن أن التشيع السياسيالذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحالبعد الرحلة كان مستفادا من نصوص النبيصلى الله عليه و آله و سلم-.
رابعا:ما ذا يريد من الفرقة و ان الشيعة تكونت بصورة فرقة بعد مقتل الإمام الحسين؟فهل يريد الفرقة الكلامية التي تبتني على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الاخرى؟فهذا الأمر لم يعلم له أي وجود يذكر إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة،و لم يكن يومذاك أية مسألة كلامية مطروحة حتى تأخذ شيعة علي بجانب و الآخرون بجانب آخر،بل كان المسلمون متسالمين في العقائد و الأحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول،و لم يكن آنذاك أي اختلاف عقائدي إلا في مسألة القيادة،فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين.
و ان أراد من الفرقة الجماعة المتبنية ولاية علي روحيا و سياسيا و انه أحق بالقيادة على جميع الموازين،فإنها كانت موجودة في يوم السقيفة و بعدها.
نعم إن توسع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية و ما رافق ذلك من احتكاك مباشر بكثير من الفرق و الجماعات صاحبة الأفكار العقائدية المختلفة،و تأثر بعض الفرق الإسلامية و مفكريها بجملة من تلك الآراءو التصورات،ساعد بشكل كبير في إيجاد مدارس كلامية متعددة في كيان المجتمع الإسلامي،و لما كان الشيعة أشد تمسكا بحديث الثقلين المشهور،فقد رجعوا إلى أئمة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعبة الأفنان،ضاربة جذورها في الكتاب و السنة و العقل.
و هكذا فلا مرية من القول بخطأ كل الافتراضات السابقة و عدم حجيتها في محاولة تثبيت كون التشيع ظاهرة طارئة على الإسلام،و إنما هو نفس الإسلام في إطار ثبوت القيادة لعلي بعد رحلة النبي بتنصيصه،و تبناه منذ بعثة النبي الأكرم جملة من الصحابة و التابعين و امتد ذلك حسب الأجيال و القرون،بل و ظهر بفضل التمسك بالثقلين علماء مجاهدون،و شعراء مجاهرون،و عباقرة في الحديث،و الفقه،و التفسير،و الفلسفة،و الكلام،و اللغة،و