302-إن القراءة الموضوعية للسيرة و التاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان و معاوية بن أبي سفيان،فإنهما كانا يعاقبان المعارضين لهم،و ينفونالمخالفين و يضربونهم،فهذا أبو ذر الغفاريرحمه اللهنفاه عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء و بيت المال بين أبناء بيته،كما أنه ضرب الصحابي الجليل عمار بن ياسر حتى انفتق له فتق في بطنه و كسروا ضلعا من أضلاعه 17 ،إلى غير ذلك من مواقفهم من مخالفيهم و معارضيهم التي يقف عليها المتتبع،و مع ذلك نرى في الأوهام التي عرضناها مسبقا أن رجال الخلافة و عمالها يغضون الطرف عمن يؤلب الصحابة و التابعين على أخماد حكمهم،و قتل خليفتهم في عقر داره،و يجر الويل و الويلات على كيانهم !!و هذا شيء لا يقبله من له أدنى إلمام بتاريخ الخلافة و سيرة معاوية.
يقول العلامة الأميني:لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن،و شق عصا المسلمين،و قد علم به و بعبثه أمراء الأمة و ساستها في البلاد،و انتهى أمره إلى خليفة الوقت،فلماذا لم يقع عليه الطلب؟و لم يبلغه القبض عليه،و الأخذ بتلكم الجنايات الخطرة و التأديب بالضرب و الاهانة،و الزج إلى أعماق السجون؟و لا آل أمره إلى الاعدام المريح للأمة من شره و فساده كما وقع ذلك كله على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر؟و هتاف القرآن الكريم يرن في مسامع الملأ الديني:إنما جزاؤا الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم 18 فهلا اجتاح الخليفة جرثومة تلك القلاقل بقتله؟و هل كان تجهمه و غلظته قصرا على الأبرار من أمة محمدصلى الله عليه و آله و سلمففعل بهم ما فعل 19 .
و هناك لفيف من الكتاب ممن حضر أو غبر،بدل أن يفتحوا عينوهم على الواقع المرير،ليقفوا على الأسباب المؤدية إلى قتل الخليفة،حاولوا التخلص من أوزار الحقيقة بالبحث عن فروض و همية سببت قتل الخليفة و أودت به.
و في حق هؤلاء يقول أحد الكتاب المعاصرين:
«و في الشرق كتاب لا يعنيهم من التاريخ واقع و لا من الحياة حال أو ظرف،فإذا بهم يعللون ثورة المظلومين على عثمان،و يحصرون أحداث عصر بل عصور بإرادة فرد يطوف في الأمصار و الأقطار و يؤلب الناس على خليفة و دولة!.
إن النتيجة العملية لمثل هذا الزعم و هذا الافتراء هي أن الدولة في عهد عثمان و وزيره مروان إنما كانت دولة مثالية،و أن الأمويين و الولاة و الأرستقراطيين إنما كانوا رسل العدالة الاجتماعية و الاخاء البشري في أرض العرب.غير أن رجلا فردا هو عبد الله بن سبأ أفسد على الأمويين و الولاة و الأرستقراطيين صلاحهم و برهم،إذ جعل يطوف الأمصار و الأقطار مؤلبا على عثمان و امرائه و ولاته الصالحين المصلحين،و لو لا هذا الرجل الفرد و طوافه في الأمصار و الأقطار لعاش الناس في نعيم مروان و عدل الوليد و حلم معاوية عيشا هو الرغادة و هو الرخاء.