432
النَّصُّ :
بعدما يَسْتَقْصِى 1 الباحِثُ ما قِيلَ فِى العِبادَة علىٰ أَلْسِنَةِ وأَقلامِ الُمخْتَصِّينَ فِى هذا
البَحْثِ يَصِلُ الىٰ انَّ العِبادَةَ لا تَتِمُّ الّا بِبُعْدَيْنِ :
أوَّلُهُما : التَّصَرَّفُ الدّالُّ علىٰ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ عَمَلاً كانَ أوْ قَولاً أَوْ كِلَيْهِما معاً .
ثانيهِما : الاعْتِقادُ بِأنَّ التَّصَرُّفَ هٰذا مُوَجَّهٌ مِمَّن تَتَمَثَّلُ فِيهِ العُبُودِيَّةُ الىٰ مَنْ تَتَمَثَّلُ فِيه الأُلوهِيَّةُ 2 .
فالمُوَحِّدُ هُوَ ذلِكَ الذِى أخْلَصَ عِبادَتَهُ للّٰهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ واعْتَقَدَ وَحْدانِيَّتَهُ ، وأمّا المُعْتَقِدُ بِهِ وَقدْ تَذَلَّلَ أوْ تَضَرَّعَ للأوثانِ أوِ الأبْقارِ ، أو لِلْكَواكِبِ أو النّارِ ، باعْتبارِها تَتَّصِفُ بِصفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلوهِيَّةِ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ هٰذا الذى يُعَدُّ شِرْكاً لا مَحالَةَ . قال تعالى :
« إِنَّهُمْ كٰانُوا إِذٰا قِيلَ لَهُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاَّ اللّٰهُ يَسْتَكْبِرُونَ » 3
وذلكَ
لِاعْتِقادِهم بِوُجُودِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللّٰهِ ، وقالَ عَزَّ مِنْ قائِلٍ :
« الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » 4
.
اِذاً فَخُضوعُ الاِنسانِ لِغَيْرِ اللّٰهِ بالقَوْلِ أوِ الْعَمَلِ لا يُعَدُّ عِبادةً مادامَ هذا الخُضُوعُ غَيْرَ مَقْرُونٍ بالبُعْدِ الثّانِى ، فَخُضُوعُ العَوامِّ للعُلَماءِ ، والمَأمورِينَ للأُمَراءِ ، والعُمّالِ