35و هذا أمر تحكم به الضرورة و إنكاره مكابرة واضحة،فإذا كانت ماهيّة الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحقّقها فيما اذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.
و بعبارة واضحة:أنّ العقل و النقل اتّفقا على كونه سبحانه ليس بجسم و لا جسماني و لا في جهة،و الرؤية فرع كون الشيء في جهة خاصة،و ما شأنه هذا لا يتعلّق إلّا بالمحسوس لا بالمجرّد.
ثمّ إنّ الرازي أراد الخدش في هذا الأمر البديهي و لكنّه رجع خائباً،و اعترض على هذا الاستدلال بوجهين:
الأوّل: أنّ ادّعاء الضرورة و البداهة على امتناع رؤية الموجود المنزّه عن المكان و الجهة أمر باطل،لأنّه لو كان بديهياً لكان متّفقاً عليه بين العقلاء،و هذا غير متّفق عليه بينهم،فلا يكون بديهياً،و لذلك لو عرضنا قضيّة أنّ الواحد نصف الاثنين لا يختلف فيه اثنان،و ليست القضيّة الأُولىٰ في البداهة في قوّة القضيّة الثانية 1.
يلاحظ عليه: بأنّه خفى على الرازي بأنّ للبداهة مراتب مختلفة، فكون نور القمر مستفاداً من الشمس قضيّة بديهية،و لكن أينَ هذه البداهة من بداهة قولنا:الواحد نصف الاثنين،أضف إلى ذلك أنّ العقلاء متّفقون على لزوم المقابلة أو حكمها على تحقّق الرؤية،و إنّما خالف فيه أمثال من خالف القضايا البديهية كالسوفسطائيّين،حيث ارتابوا في وجودهم و علومهم و أفعالهم مع أنّهم كانوا يُعدّون من الطبقات العليا