94و ظاهر كلام اللغويين أنَّ الاستعمال في كل هذه المعاني حقيقة لا مجازاً. و لا بدّ لنا أن نقبل. بحيث تكون مدينة الكوفة مثلاً بصفتها، مقصودة للمسافر: نية، لأنها هي الوجه الذي يذهب فيه، -كما عليه تعبير اللغويين. كما أنَّ المسافة من بلده إلى الكوفة بصفتها اتَّجاها شمالياً مقصوداً هي نية أيضاً، كما أن مباشرة السير أو السفر في هذه المسافة هي نية أيضاً و هكذا. إلاَّ أن هذا، كما هو وجداني و واضح، من سقط المتاع بالرغم من تصريح اللغويين. لوضوح عدم صحة الحمل و صحة السلب. لأن لنا أن نقول: الكوفة ليست نية و المسافة ليست نية، و السفر إليها ليس نية. و نحن صادقون.
فإن كان الأمر كذلك فيما سبق، فلا شك أنَّ الأجيال المتأخرة عن صدر الإسلام أصبحت تفهم النية فهماً آخر، بحيث أصبحت تلك الاستعمالات استعمالات مجازية في ذوقها و نظرها. و كل ما في الأمر أننا لا بدَّ أن نحفظ هذه المعاني باعتبار أمرين:
الأول: من أجل أن نحمل عليها النصوص التي صدرت في عصرها الأول، قبل هذا التحوّل. بما فيه عصر صدر الإسلام، الذي لم تحرز حدوث النقل في المعنى فيه.
الثاني: للشك في أن من حق الأجيال المتأخرة أن تضع لفظاً أو أن تنقل معناه أو أن تعين الحقيقة من المجاز، و خاصة بعد أن ثبت كونه حقيقة فيما سبق. أم لا! و الأمر الأول صحيح بغضِّ النظر عمَّا قد يأتي من الإيضاحات. و أمَّا الأمر الثاني، فهو قابل للمناقشة، لأن الوضع كما ثبت في علم الأصول، إنَّما هو اجتماعي المنشأ، و اللغة في تحرك مستمر، عربية كانت أو غيرها، و إن لم يحس به جيل معين بذاته. فمن حقّ أيِّ مجتمع أن يغيّر أو ينقل أو يضع كما يشاء. و ليست اللغة توقيفية بهذا المعنى، فنحن بشر كما أن السابقين بشر.
و اختلاط العرب بالآخرين و فساد أذواقهم، و إن كان صحيحاً إلى حدٍّ ما، و لكن هذا لا يعني سقوط حقّهم اللغوي. بما يعيشونه من ارتكاز و تفكير معاصر في أيِّ جيل. و لكن هذا لا يعني أن نحمل النصوص القديمة على