46الالتزام بها أو بالمهم منها درجة أعلى و أهم من العدالة.
بقي عندنا السؤال: إنَّ الإتيان بمنافيات العدالة و هي المحرمات أحياناً قليلة، هل تخرج من العدالة أم لا؟ لأنَّ في ذلك وجهين رئيسين:
الوجه الأول: إنَّ العدالة هي الاستقامة التامة في إطاعة الشريعة. فمتى حصل الذنب مهما كان قليلاً، انثلمت هذه الاستقامة و بطلت العدالة. إلاَّ أنها يمكن أن تعود فوراً أو بعد حين، عند حصول التوبة و الرجوع إلى الاستقامة.
الوجه الثاني: إنَّ العدالة هي الاستقامة في إطاعة الشريعة على وجه العموم، بحيث لا ينافي وجود نقاط الضعف أحياناً، يعني الإتيان بمنافيات العدالة. خذ مثلاً: مفهوم الماء فإنه يبقى ماء و إن اختلط بالتراب القليل. أو مفهوم اللبن فإنَّه يبقى لبناً و إن اختلط بالماء القليل. فكذلك العدالة قابلة للبقاء حتى مع حصول المحرم القليل.
نعم، لو حصل الإصرار على الذنب، و العياذ باللّٰه، كان ذلك مخلاًّ بالعدالة، لأنه استمرار بالذنب و ذنب على ذنب. و لعل الآية الكريمة اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوٰاحِشَ إِلاَّ اَللَّمَمَ ، دالَّة على ذلك. لأنَّ اللّمم يفسَّر عادة بما يلمُّ به من الفرد من ذنب أحياناً طبقاً لنقاط الضعف في نفسه. و قد حصل استثناؤه في الآية الكريمة، و لم يخرج فاعله-بظاهرها-من المدح إلى القدح.
و لكلٍّ من هذين الوجهين من يقول به من الفقهاء، لكنَّ الصحيح هو الوجه الثاني. لأنَّ العدالة مفهوم عرفي كسائر المفاهيم العرفية، التي يكون الفقيه مسئولاً على الأخذ بها في الفقه، كما هو مبرهن في علم الأصول عليه. و قد مثَّلنا أنَّ هذه المفاهيم لا تختل أو تختلف عرفاً بوجود القليل ممَّ ينافيها. على أنَّ الاستقامة التامة لو توخيناها، لم توجد إلاَّ في المعصومين أو أشباههم. نعم هي درجة عالية من العدالة بلا شك. اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ . و المهم ما عرفناه من أنَّه يصدق عرفاً على الفرد أنَّه عادل و مستقيم. و هذا الصدق محفوظ بلا إشكال مع وجود اللَّمم.