30
فصل
في التقليد
التقليد اصطلاح آخر مقابل للاجتهاد في ألسنة الفقهاء، و هو مأخوذ من الناحية اللغوية من أحد منشأين:
المنشأ الأول: إنَّ التقليد مأخوذ من قلّد على معنى شابهه في الصوت، أو الفعل، كتقليد القرد و الببغاء للإنسان. و محل المشابهة هو أنَّ الفرد الاعتيادي يقلِّد المجتهد في أفعاله فيصلي كما يصلي، و يصوم كما يصوم، يعني في جميع الفتاوى و التفاصيل. أو أنه يقلِّد المجتهد في أقواله. لا بمعنى أنه يكرّرها كالببغاء، بل بمعنى أنه يطبِّقها على حياته، بعد أن يعرف الحكم الشرعي منها.
و هذا المعنى و إن كان أبعد في المجازية، إلاَّ أنه أنسب من السابق، لأنَّ التقليد في الأفعال، خاصّ بما أتى به المجتهد من تكاليف، دون ما لم يأت به، لوجود الفروق العديدة عادة بين المجتهد و المقلِّد، كأحكام المرأة و الرجل مثلاً.
المنشأ الثاني: إنَّ التقليد مأخوذ من قلَّد إذا جعل في عنقه قلادة. على معنى أنَّ المقلِّد يجعل مسئولية عمله كالقلادة في عنق المجتهد، الذي هو بدوره يتكفل أمام اللّٰه سبحانه صحة أو بطلان ما قاله من أحكام و ما أفتاه من فتاوى. و الوضع في الرقبة، بالمعنى المعنوي، معنى عرفي سائر بين الناس، و غير مستغرب. و هو يعبِّر عن الذمة أو المسؤولية. فقد يكون الفرد في رقبته دين، أو الحفاظ على مال معين كالأمانة، أو الإتيان بفعل معيَّن كاحترام الأب أو المعلم. و مهما يكن من المنشأين فكلاهما صحيح و قابل للانطباق. و لا حاجة إلى الدخول في تفاصيل مناقشاتهما.