162و أما بطلان قياس المقام بمسألة عدم جواز رجوع صاحب الأرض عن إذنه بعد دفن الميت فيها، فلأن عدم جواز رجوعه عنه إنما يكون لأجل ما يستلزمه من هتك حرمة الميت الذي يهتم الشارع المقدس بحفظ حرمته. و أما المحل المفروض فليس كذلك فإجراء ذلك الحكم منه الى ما نحن فيه قياس باطل. و أما إذا لم يستلزم رجوعه هتك الميت بالنبش فلا مانع من القول بجواز الرجوع عن إذنه هناك أيضا و ان لم يمكن الفتوى به لتسالم الأصحاب -رضوان اللّه تعالى عليهمعلى خلافه.
و أما عدم جواز رجوع المالك عن إنه في رهنه بعده: فلأجل أن الرهن وثيقة قد تعلق حق المرتهن به. فعدم جواز رجوعه عن إذنه إنما يكون من جهة تعلق حق المرتهن بالعين المرهونة فعلا، و لا يسقط هذا الحق إلا بوفاء الدين الموجب لافتكاك العين المرهونة أو بإذن المرتهن في أخذه. فعلى هذا لا ربط لما نحن فيه بذلك كي يجري الحكم الثابت فيه فيما نحن فيه.
هذا مضافا الى أنه يمكن أن يقال ببطلان هذا الرهن من أصله، لأن المفروض ان المال المرهون ليس ملكا للراهن كي يجرى عليه فائدة باب الرهن بل هو ملك لشخص آخر جعله الراهن رهنا لنفسه باذن مالكه و كون إذن مالكه مصححا لذلك غير معلوم.
بيان ذلك أن حق الرهانة ليس كحق الجناية، و الفرق بينهما أن حق الجناية إنما يتعلق برقبة العبد الجاني أين ما كان، و لا ينفك عنه ببيعه، فلو باعه مالكه من شخص آخر أو وهبه و كذا باعه مالكه الثاني أو وهبه و هكذا الى مرات عديدة، تبعه الحق ثابت عليه فرقبة العبد محقوقة بالحق في ملك أى شخص كان و لذلك لا يكون حق الجناية مانعا عن بيعه و هبته و نحو ذلك.
و أما حق الرهانة فلا يتعلق بالمال المرهون بما هو مال بل إنما يتعلق به بما أنه ملك للراهن و لذلك يكون حق الرهانة مانعا عن بيع المالك للعين المرهونة و كذلك يكون مانعا عن هبته و غير ذلك من موجبات انتقال العين بدون إذن المرتهن لتعلق حقه به و حيث ان المفروض فيما نحن فيه عدم كون العين المرهونة ملكا للراهن فيكون الرهن باطلا من أصله