706فيه و علل الأوّل بأنّه يتضمّن الجفاء المحرّم و هو إشارة إلى ما روي عن النّبي ص أنّه قال من حجّ و لم يزدني فقد جفاني و لا ريب أنّ جفاءه محرّم فيكون ترك زيارته المقتضي للجفاء محرما و لم أطلع على هذا الحديث مستندا في كتب الأصحاب و علله في الدّروس بما ذكر قال كما يجبر على الأذان ثم قال و منع ابن إدريس ضعيف لقوله ص من أتى مكّة حاجا و لم يزرني في المدينة فقد جفوته يوم القيامة إلى آخر الخبر الآتي عند بيان استحباب زيارة النبي ص و لا يخفى أنه لو سلّمنا دلالة هذه الرّواية على الوجوب يلزم منه أعمّ من المدّعى فإن مقتضاه على هذا التقدير وجوب زيارة النبي ص على كلّ حاج و المدّعى وجوب الجبر لو تركها الناس كلّهم و استدل بعضهم على الحكم المذكور بما رواه ابن بابويه عن حفص بن البختري و هشام بن سالم و معاوية بن عمار و غيرهم في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ع قال لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك و على المقام عنده و لو تركوا زيارة النبي ص لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك و على المقام عنده فإن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين و رواه الشّيخ عن حفص بن البختري و هشام بن سالم و حسين الأحمسي و حمّاد و غير واحد و معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه ع بتفاوت ما و ظاهر الرّواية وجوب زيارة النبي ص كفاية و إلا لم تستقم الأخبار عليها و ما قيل من أن الإجبار على ذلك على هذا الوجه و إن كان عقابا لكنّه عقاب دنيوي فلا يدلّ على الوجوب فإنّه إنّما يستحقّ بترك الواجب العقاب الأخروي فكلام ضعيف إذ لا معنى لترتب العقاب الدّنيوي على ترك المستحبّ
و حرم المدينة بين عائر و وعير
عن جمع من الأصحاب أنهما جبلان يكففان المدينة من المشرق و المغرب و وعير ضبطها الشهيد في الدّروس بفتح الواو و ذكر المدقّق الشيخ علي أنه وجدها في مواضع معتمدة بضم الواو و فتح العين المهملة
لا يعضد شجره و يؤكل صيده إلا ما صيد بين الحرتين
و الحرتان موضعان أدخل منهما نحو المدينة و هما حرة ليلى و حرة واقم و أصل الحرة أرض ذات حجارة سود و المنع من عضد شجر حرم المدينة و أكل صيدها بين الحرتين إنّما هو
على كراهية
و اختلف الأصحاب في هذه المسألة فنقل عن الأكثر القول بالتحريم و نسبه في المنتهى إلى علمائنا و جعله في التذكرة من المشهور عندنا و قيل بالكراهة و هو ظاهر اختيار المحقق و المصنف في هذا الكتاب و جعله الشّهيد الثّاني من المشهور بين الأصحاب و حكي في المسألة قول آخر بتحريم قطع الشجر و كراهة الصّيد بين الحرتين و كلام المصنف محتمل لذلك و الأول أقرب لنا ما رواه الصدوق عن زرارة بن أعين في الصحيح عن أبي جعفر ع قال حرم رسول اللّٰه ص المدينة ما بين لابتيها صيدها و حرم ما حولها بريد أن يختلى خلاها و يعضد شجرها إلا عودي النّاضح قال الجوهري اللاّبة الحرة و في الحديث أنه حرم ما بين لابتي المدينة و هما حرتان يكتنفانها و نحوه في القاموس و عن عبد اللّٰه بن سنان في الصّحيح قال قال أبو عبد اللّٰه ع يحرم من الصّيد صيد المدينة ما بين الحرتين قال الجوهري الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنّها أحرقت بالنّار و روى الشّيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ع قال يحرم من صيد المدينة ما صيد بين الحرتين و ما رواه الشّيخ عن ابن مسكان في الصّحيح عن الحسن الصّيقل عن أبي عبد اللّٰه ع قال كنت جالسا عند زياد بن عبد اللّٰه و عنده ربيعة الرأي فقال له زياد يا ربيعة ما الذي حرم رسول اللّٰه ص من المدينة فقال بريد في بريد فقال أبو عبد اللّٰه ع فقلت لربيعة و كان على عهد رسول اللّٰه ص أميال فسكت فلم يحسن فمال على زياد فقال يا أبا عبد اللّٰه ع فما تقول أنت قلت حرم رسول اللّٰه ص من المدينة من الصّيد ما بين لابتيها فقال ما لابتيها قلت ما أحاطت به الحرتان قال و ما الّذي يحرم من الشّجر قلت من عائر إلى وعير و عن زرارة في الموثق قال سمعت أبا جعفر ع يقول حرم اللّٰه حرمه بريدا في بريد أن يختلى خلاها و يعضد شجرها إلا الإذخر و يصاد طيره و حرم رسول اللّٰه ص المدينة ما بين لابتيها صيدها و حرم ما حولها بريدا في بريد أن يختلى خلاها أو يعضد شجرها إلا عودي النّاضح و أمّا ما رواه الكليني و الشّيخ عنه عن معاوية بن عمّار في الصّحيح عن أبي عبد اللّٰه ع قال قال رسول اللّٰه ص إن مكة حرم اللّٰه حرمها إبراهيم ع و إن المدينة حرمي ما بين لابتيها حرم و لا يعضد شجرها و هو ما بين ظلّ عائر إلى ظل وعير و ليس صيدها كصيد مكّة يؤكل هذا و لا يؤكل ذاك و هو بريد فالوجه فيه أن المقصود أن حرم المدينة بريد لا يعضد شجره و يؤكل صيده و إطلاق حكم الصّيد فيه مقيّد بما خرج عن الحرمين جمعا بين الأدلّة و وجه تميز صيد حرم المدينة عن حرم مكة أنّ صيد حرم مكة محرم مطلقا و أمّا تحريم صيد حرم المدينة فمختصّ ببعض مواضعه و يمكن الجمع بينه و بين الأخبار السّابقة بحمله على جواز أكل ما صيد في حرم المدينة و تخصيص تلك الأخبار بأصل الاصطياد لكن لا أعرف أحدا قال بهذا و في متن هذا الحديث إشكال حيث تضمّن تفسير ما بين لابتيه بما بين ظلّ عائر و وعير و لا يبعد عندي سقوط الواو عند قوله حرم لا يعضد شجرها و يكون محصّل المراد أن المدينة حرمي يعني يحرم صيدها و عضد شجرها و فسّره بما بين اللاّبتين ثم قال و حرم لا يعضد شجرها يعني هناك حرم أخرى يثبت له هذا الوصف و هو ما بين ظلّ عائر و وعير و استضعف بعض المتأخرين هذه الرواية نظرا إلى أن في طريقها الحسن بن علي الكوفي و هو مجهول و استحسنها بعضهم نظرا إلى الحسن المذكور في طريقها الوشاء و فيه نظر بل الصحيح أن الحسن هذا الحسن بن عليّ بن عبد اللّٰه بن المغيرة الثقة الإمامي كما شهدت عليه القرائن فيكون الخبر صحيحا و روى الصدوق عن أبي العبّاس يعني الفضل بن عبد الملك في الصّحيح قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع حرم رسول اللّٰه ص المدينة فقال نعم حرمه بريدا في بريد عضاها قلت صيدها قال لا يكذب النّاس قال في المنتقى هذا الحديث رواه الكليني بإسناد فيه ضعف و أورده الشيخ في التّهذيب معلّقا عن محمّد بن يعقوب بطريقه و نسخ الكتب الثلاثة متّفقة على إثبات كلمة عضاها كما أوردناها و لا يخلو عن نظر إذ يتعيّن فيها بهذه الصورة أن يكون بالعين المعجمة و قد ضبطت بها أيضا في الكافي و التهذيب و ظاهر أن المراد منها مطلق الشّجر و العضاة شجر مخصوص و يبعد إرادة العموم منه و في الصّحاح أن العضاة بالعين المهملة المكسورة كل شجر يعظم و له شوك فيقرب أن يكون تصحيفا لها و الصواب أغصانها و الجواب عن هذا الخبر كما مرّ في الخبر السّابق و استضعفها بعض الأصحاب نظرا إلى أن في طريقها الحسن بن محمّد بن سماعة عن غير واحد غفلة عن إسنادها في الفقيه و اعلم أنّه قال الشيخ في النّهاية اعلم أن للمدينة حرما مثل حرم مكة و حدّه ما بين لابتيها و هو من ظلّ عائر إلى ظلّ وعير و لا يعضد شجرها و لا بأس أن يؤكل صيدها إلا ما صيد بين الحرتين و عن ابن إدريس الأولى أن يقال وحده من ظلّ عائر إلى ظلّ وعير لا يختلى خلاها و لا يعضد شجرها و لا بأس أن يؤكل صيدها إلاّ ما صيد بين الحرتين لأن الحرتين غير ظلّ عائر و ظل وعير و الحرتان بين الظلّين لأنه قال لا يعضد الشجر فيما بين الظلّين و لا بأس أن يؤكل الصّيد إلاّ ما صيد بين الحرتين فدل على أن الحرتين داخلتان في الظلّين و إلا كان يكون الكلام متناقضا فلو كانت الحرتان هما حد حرم المدينة الأول لما حل الصيد في شيء حرم من المدينة و استحسنه المصنف في المختلف و بمثله اعترض على الشيخ في المنتهى و التذكرة قال بعض المتأخرين و الظاهر أن ما ذكره الشيخ هو مقتضى الجمع بين الأخبار المتقدّمة و إنّما يستقيم ما عدلا إليه يعني المصنف و ابن إدريس إذا ترك العمل بها أو ببعضها و إلى هذا نظر بعض المحشّين فقال و الّذي يدور في خلدي أن حرم المدينة من الحرة إلى الحرة و هو من ظلّ عائر إلى ظل وعير لا يعضد شجر شيء منه و يحرم صيد الحرتين خاصّة دون الباقي إلى أن قال فيكون معنى قوله في الحديث إلا ما صيد بين الحرتين إلا ما صيد بين كلّ من الحرتين أي في خلال منهما انتهى و فيه نظر لأن الوجه