59أكثر، ولإفادته هذا المعنى لا يستعمل في الإيجاب مطلقاً إلّا فيه تعالى ومن لطيف البيان في هذا الباب قول الإمام علي (عليه أفضل السلام) في بعض خطبه في توحيده تعالى: «كل مسمّى بالوحدة غيره قليل»، وقد أوردنا طرفاً من كلامه(ع) في التوحيد في البحث عن توحيد القرآن في الجزء السادس من الكتاب. قوله تعالى: (اللّٰهُ الصَّمَدُ ) الأصل في معنى الصمد القصد أو القصد مع الاعتماد يقال: صمده يصمده صمداً من باب نصر أي قصده أو قصده معتمدا عليه، وقد فسروا الصمد - وهو صفة - بمعاني متعددة مرجع أكثرها إلى انه السيد المصمود إليه أي المقصود في الحوائج، وإذا أطلق في الآية ولم يقيد بقيد فهو المقصود في الحوائج على الإطلاق. وإذا كان اللّه تعالى هو الموجد لكل ذي وجود مما سواه يحتاج إليه فيقصده كل ما صدق عليه انه شيء غيره، في ذاته وصفاته وآثاره قال تعالى: (أَلاٰ لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ) الأعراف: 54 وقال وأطلق: (وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهىٰ ) النجم: 42، فهو الصمد في كل حاجة في الوجود لا يقصد شيئاً إلّا وهو الذي ينتهي إليه قصده وينجح به طلبته ويقضي به حاجته.
ومن هنا يظهر وجه دخول الالف و اللام في الصمد وانّهما لإفادة الحصر فهو تعالى وحده الصمد على الإطلاق، وهذا بخلاف احد في قوله: (اللّه احد) فإنّ أحداً بما يفيده من معنى الوحدة الخاصة لا يطلق في الإثبات على غيره تعالى فلا حاجة فيه إلى عهد أو حصر. وأما إظهار اسم الجلالة ثانياً حيث قيل: (اللّه الصمد) ولم يقل: هو الصمد، ولم يقل: اللّه أحد صمد، فالظاهر أنّ ذلك للإشارة إلى كون كل من الجملتين وحدها كافية في تعريفه تعالى، حيث إنّ المقام هو مقام تعريفه تعالى بصفة تختص به فقيل: اللّه احد اللّه الصمد إشارة إلى أنّ المعرفة به حاصلة سواء قيل كذا أو كذا.
والآيتان مع ذلك تصفانه تعالى بصفة الذات وصفة الفعل جميعا فقوله: (اللّه احد) يصفه بالأحدية التي هي عين الذات، وقوله: (اللّه الصمد) يصفه بانتهاء كل شيء إليه وهو من صفات الفعل. وقيل: الصمد بمعنى المصمت الذي ليس بأجوف فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يلد ولا يولد وعلى هذا يكون قوله: (لم يلد ولم يولد) تفسيراً للصمد. قوله تعالى:
(لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .