60الآيتان الكريمتان تنفيان عنه تعالى أن يلد شيئاً بتجزّيه في نفسه فينفصل عنه شيء من سنخه بأي معنى أريد من الانفصال والاشتقاق كما يزعم النصارى في المسيح(ع) من أنّه ابن اللّه، وكما يزعم الوثنية في بعض آلهتهم من أنّهم أبناء اللّه سبحانه. فالآيتان تنفيان عنه أن يكون مولوداً من شيء آخر ومشتقاً منه بأي معنى أريد من الاشتقاق كما يقول الوثنية، ففي آلهتهم من هو إله والدٌ لإلهٍ آخر ومن هو إلهة أم لإلهٍ آخر ومن هو إله ابن لإله آخر. وتنفيان أن يكون له كفؤ يعدله في ذاته أو في فعله، وهو الإيجاد والتدبير ولم يقل أحد من الملّيين وغيرهم بالكفؤ الذاتي بأن يذهب إلي تعدّد واجب الوجود عزّ اسمه، وأما الكفؤ في فعله وهو التدبير فقد قيل به كآلهة الوثنية من البشر كفرعون ونمرود من المدعين للألوهية، وملاك الكفاءة عندهم هو استقلال من يرون ألوهيته في تدبير ما فوض إليه تدبيره كما أنّه تعالى مستقل في تدبير من يدبره وهم الأرباب والآلهة وهو ربّ الأرباب وإله الآلهة.
وفي معنى كفاءة هذا النوع من الإله ما يفرض من استقلال الفعل في شيء من الممكنات فإنّها كفاءة مرجعها استغناؤه عن اللّه تعالى وهو محتاج من كل جهة والآية تنفيها. وهذه الصفات الثلاث المنفية وإن أمكن تفريع نفيها على صفة أحديته تعالى بوجه لكن الأسبق إلى الذهن هو تفرعها على صفة صمديته. أما كونه لم يلد فإنّ الولادة التي هي نوع من التجزّيء والتبعّض بأيّ معنى فسرت فهي لا تخلو من تركيب فيمن يلد، وحاجة المركب إلى أجزائه ضرورية واللّه سبحانه صمد ينتهي إليه كل محتاج في حاجته ولا حاجة له، وأما كونه لم يولد فإنّ تولد شيء من شيء لا يتم إلا مع حاجة من المتولد إلى ما ولد منه في وجوده وهو سبحانه صمد لا حاجة له، وأما أنّه لا كفؤ له فسواء فرض كفؤاً له في ذاته أو في فعله إذ لا تتحقق كفاءته إلا مع استقلاله واستغنائه عنه تعالى فيما فيه الكفاءة واللّه سبحانه صمد على الإطلاق يحتاج إليه كل من سواه من كل جهة مفروضة 1
والحاصل ممّا تقدّم أنّه هناك مرتبتين من التوحيد الذاتي، تدعى الأولى بالتوحيد الذاتي الأحدي، والأخرى بالتوحيد الذاتي الواحدي، وإليك بيان كل واحدة منهما على حدةٍ: