32يجوز عليه لأنّه تشبيه، وجلَّ ربّنا عن ذلك وتعالى، وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحدي المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ. 1
قال العلامة الطباطبائي(رحمه الله): (إنّ كلاً من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع، والوحدة النوعية كالإنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الأنواع الكثيرة، مقهور بالحد الذي يميز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله، فإذا كان تعالى لا يقهره شىء وهو القاهر فوق كل شىء، فليس بمحدود في شىء، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحق لا يعرضه باطل، فللّه من كلّ كمالٍ محضه) 2.
الثالثة: مرتبة نفي الصفات عنه
هذه هي أرقى مراتب التوحيد وأكملها، غير أنّها لا تتحقق إلا للأوحدي من الناس، من محض الإيمان، وعندها لا يرى بقلبه سوى تجلي نور واحد، وهو نور الحقيقة الإلهية التي تستوعب وجوده كلّه فيستنير بها قلبه ووجوده، فتتحجب بها رؤية نفسه، فلا يرى لذات وجوده حقيقة في مقابلها، فيفنى عن ذاته ليبقى بكمال الحقّ تبارك وتعالى ووجوده، فلا يرى له صفة فيصفه بها، ولا شيء سواه فيستدل به عليه، وحينها يبدأ يخاطبها بلسان قاله عن لسان حاله وحقيقته، فيقول: (إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك). 3
وجاء في كلامٍ لأمير الكلام الإمام علي(ع):
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاَصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ ؛ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللّه فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. 4