28فهذه وغيرها من الأحاديث الشريفة تبيّن أهمية العقل و مكانته بوضوح.
قال الحكيم المتأله صدر المتألهين(رحمه الله): (حاشا الشريعة الحقّة الإلهية البيضاء أن تكون أحكامها مصادمة للمعارف اليقينية الضرورية، وتبّاً لفلسفة تكون قوانينها غير مطابقة للكتاب والسنة) 1.
وقد جاء عن العلامة الطباطبائي(رحمه الله) في كتابه (الإمام علي والفلسفة الإلهية) بأنّه حقاً لَظلمٌ عظيم أن يفرّق بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهية، فهل الدين على اختلاف الأديان سعة وضيقاً إلا مجموعة معارف اعتقادية إلهية يُعبَّر عنها بالأصول وأخرى فقهية وأخلاقية يُعبَّر عنها بالفروع؟! وهل الأنبياء إلا رجال يهدون بأمر الله المجتمعَ البشري إلى الحياة الأفضل والسعادة الحقيقية؟! وهل السعادة البشرية الحقيقية إلا أن ينال الإنسان حقائقَ المعارف بما منحه الله من جهاز دقيق لفهمها وإدراكها جهاز مرتبط بأصل خلقة الإنسان وهو جزء من وجوده، وأن يسير بعد نيله تلكم المعارف في حياته العملية عن طريق العدل والاستقامة؟! وهل له مناص في تحصيل تلك المعارف سوى الالتجاء إلى الاستدلال وإقامة البرهان؟!
وإذا كان الحال على ما تقدم فكيف يسوغ للأنبياء أن يدعوا الناس إلى السمع والقبول بلا بينة وأن يطلبوا منهم السير على غير طريق الاستدلال وإقامة البرهان، مع أنّ ذلك مخالفاً لجبلتهم ومنافياً لما جهزوا به في أصل خلقتهم وبنية وجودهم؟! والأنبياء وإن كانوا قد استمدّوا معارفهم ومبادئ دعوتهم من المبدأ الغيبي وارتضعوا ذلك من ثدي الوحي، إلا أنّ الحقيقة هي أنّه لا فرق بين مسلك الأنبياء في دعوتهم إلى صريح الحقّ وبين الحق سلوك الإنسان بشعوره الفطري إلى نيل المعارف الإلهية، حيث إنّهم على رفعة مكانتهم وإشرافهم على الأفق الأعلى قد تنزلوا إلى مستوى الأفهام البشرية، فكلموا الناس بما يهديهم إلى استعمال