23وجوداتها التي تكون حجباً نورانية. 1
ولم يستدلّ العلامة المظفر على وجوده بالدليل العرفاني، ولا بدليل الفطرة، وإنّما استدلّ على وجوده تعالى بالعقل، والحكمة فيه أنّ الناس قد حجبت المعاصي نور الفطرة من قلوبهم ومات وهج اليقين في صدورهم، فهم بحاجة إلى ما يوقظ ضمائرهم ويحيي ما انطفأ في سرائرهم نتيجة ما جنته أيديهم بما كسبوا وليس الله بظلام للعبيد (وَ مٰا ظَلَمْنٰاهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) 2 وقال تعالى: (وَ مٰا ظَلَمْنٰاهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا هُمُ الظّٰالِمِينَ ) 3.
وكأنّه بكلامه هذا يريد أن يقول: فقد طريق الفطرة والشهود فعليه بالدليل العقلي كي يخرج من الظلمات إلى النور، من ظلمات الوهم والشكّ إلى نور المعرفة والهداية، ولأجل هذا الأمر قامت المدارس الفلسفية بالتأسيس للبراهين العقلية لإثبات وجوده تعالى.
ولكن الجدير بالإشارة هو أنّ عمل العقل يجب أن يستعين بمجموعة من المقدمات لاستخراج النتائج، وأنّ هذه النتائج تكون تابعة لأخسّ المقدمات، وليس بالضرورة أن تكون جميع صور القياسات العقلية منتجة، بل هناك شروط إذا ما توفرت فالنتيجة تكون صحيحة وثابتة يقيناً، كما أنّ العقل قاصر عن إدراك بعض الحقائق التي هي خارجة عن دائرة عمله، وهي من قبيل إدراك جميع الطرق إلى الله لأنّ منها طريق الوحي والقلب والفطرة، ومنها إدراك نفس الحقيقة؛ لأنّها أمر شخصي جزئي والعقل إدراكاته كلية، ومنها عدم إدراكه لجميع أبعاد الحقيقة لأنّها غير متناهية والإنسان مهما كان له من السعة والإطلاق إلّا أنّه محدود بحدوده الخاصة بدائرته، لذلك لا يدرك الحقائق إذا كانت وراء دائرته، وكذلك لا يدرك ما يرتبط بالأمور المستقبلية كمواقف يوم القيامة ومشاهدها الخاصة، فهذه وغيرها من الأمور لا يمكن للعقل إدراكها، وإنمّا يدرك كلّ ما يقع تحت سلطانه وضمن دائرته، وليس بالضرورة أن يكون العقل قادراً على إدراك كلّ شيء، وكما