120أي أنّ الذات الإلهية لها كامل القدرة والاختيار في ترجيح الفعل عند وجود الداعي له، وعدم ترجيح الفعل في حال عدم وجوده، بينما لم يرتضِ الفلاسفة تعريفها بالإمكان بأيّ معنى كان؛ لأنّهم يرون أنّ مثل ذلك مخالف لكون الذات الإلهية مستجمعة لجميع ما يتوقّف عليه وجود الفعل، وكما أنّهم لا يرون معنى للتفريق بين القدرة والإرادة التي استوجبت عليهم طرح فكرة الداعي إلى جنبهما، ولأجل التخلص من هذه الإشكالية على تعريف الفلاسفة للقدرة بمعنى الإرادة - إذ إنّهم لا يفرقون بين كلا الأمرين - الذي جاء فيه بأنّ القادر هو إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ولكنّه شاء ففعل 1، وهم بقولهم (شاء ففعل) يريدون بيان أنّ المولى تبارك وتعالى هو علّة العلل على نحو العلّية التامة المستجمعة لجميع ما يتوقف عليه وجود المعلول، ومع ذلك لا معنى لتأخر المعلول عن العلة، غاية الأمر أنّ تأخره الرتبي يصحّح لنا القول بحدوثه الذاتي عن العلة الواجبة القديمة بالذات.
وقد سبب لهم هذا التعريف جملة من الإشكالات من قبل المتكلمين من قبيل أنّه يكون موجَباً مجبوراً على فعله 2؛ إذ لا معنى لأن يكون مريداً للشيء وأنّ إرادته وقدرته بهذا المعنى كافية لوقوع الفعل، ومع ذلك لا يقع الفعل منه، وعليه فهو مجبور في إيقاعه لعدم فرض الداعي إلى تأخيره عندهم كما فعل المتكلم 3.
ولكن من يرجع إلى كلمات الفلاسفة يجدهم ينفون ذلك بصريح العبارة، مبررون لهذا الإيجاب بأنّه من طرف العلة لا عليها، فهي باختيارها توجب وجود المعلول، وفيما عدا ذلك فالأولوية التي قال بها المتكلم غير كافية في وجوده، سواء كانت أولوية ذاتية أو غيرية 4.