82وإنّ فدك صارت أمراً سياسياً بعد عصر الخليفة، والشاهد على ذلك أنّه اختلفت سيرة الخلفاء بين ردّها على أولاد فاطمة وبين أخذها، يقول ابن أبي الحديد: ولمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي عليهما السلام ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، ووهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كانت أوّل ظلامة ردّها، دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وقيل: بل دعا علي بن الحسين عليهما السلام ، فردّها عليه، وكانت بيد أولاد فاطمة مدة ولاية عمر بن عبد العزيز؛ فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، وكان الأمر على هذا النحو إلى أيام العباسيّين. وأمّا فيها فقد كانت تتداول بين الخلفاء وأولاد الزهراء عليها السلام فقد ردّها السفاح إلى عبد اللّٰه بن الحسن، وبعد رحيله ارجعها المنصور وكانت بيده إلى أن مات، فقام مقامه ابنه المهدي فردّها إلى أولاد فاطمة، إلى أن وصل الأمر إلى المأمون فردّها وكتب فيها رسالة إلى والي المدينة، وفي هذا الصدد يقول دعبل الخزاعي: أصبح وجه الزمان قد ضحكا بردّ مأمون هاشم فدكا 1
رسالة المأمون العباسي إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة
قال البلاذري: ولمّا كانت سنة عشر ومائتين أمر المأمون، فدفعها (يعني فدكاً) إلى ولد فاطمة وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين اللّٰه.
وخلافة رسوله صلى الله عليه و آله و سلم والقرابة به، أولى من استن سنّته، ونفذ أمره وسلّم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة منحته وصدقته، وباللّٰه توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أعطى فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ، ولم تزل تدعى منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم تقرّباً إلى اللّٰه تعالى بإقامة حقه وعدله وإلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادى في كلّ موسم بعد أن قبض اللّٰه نبيه صلى الله عليه و آله و سلم أن يذكر كلّ مَن كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته، أنّ فاطمة رضي اللّٰه عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لها، وقد كتب (أمير المؤمنين) إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق