57
كَرِيمٌ* فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ* لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ) 1.
وهذه الآيات المباركة توضّح أنّ للقرآن الكريم مكانةً غير هذه المكانة المادّية التي نشهدها نحن، وهي موجودةٌ فيه قبل تنزّله على قلب رسول الله عليهما السلام ، وأنّ من خصائص هذه المكانة الحفظ والصيانة من كلّ تبديل وتغيير ونحوهما، وأنّ تنزّله حصل بعد أن كان في مكانة الصيانة والحفظ وهو (الكتاب المكنون)، كما قال تعالى: (إِنّٰا جَعَلْنٰاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتٰابِ لَدَيْنٰا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) 2، فهو موجود ومحفوظ -قبل جعله عربياً قابلاً للقراءة - في أُمّ الكتاب، وإنّما جُعل (بِلِسٰانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ليتمكّن الناس من تلقّيه وتعقّله.
فالقرآن الكريم كان في مرتبته الأولى وقبل تنزّله إلى العالم المادّي، عالياً رفيع المنزلة، لا تتمكّن العقول من نيله، ومحكماً متقناً لا يتطرّق إليه الفساد والتلف، غير مجزّأ إلى السور والآيات، ولا إلى الحروف والكلمات، بل كان كما قال عنه سبحانه وتعالى: (كِتٰابٌ أُحْكِمَتْ آيٰاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) 3، وقال عزّ اسمه: (وَ مٰا كٰانَ هٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرىٰ مِنْ