40ومن الواضح أنّ اليقين الذي يحصل بسبب الرؤية القلبية للملكوت هو من الحالة الثانية لليقين، وليس هو اليقين الحاصل من الفكر والبرهان والاستدلال العقلي، وإلى هذه الجهة يشير قوله تعالى: (كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) 1، فالظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين كما يشير إليه قوله تعالى (وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) 2، وهذه الرؤية القلبية قبل يوم القيامة غير محقّقة للغافلين، بل ممتنعة في حقّهم لامتناع اليقين عليهم 3.
ومن البديهي أنّ هذا اليقين إذا كان حاصلاً بسبب المقدّمات المنطقية فإنّه لا يوجب رؤية الجحيم رؤية حقيقية تسبّب الامتناع عن معصية الله تعالى، إذ غاية ما يستوحيه الإنسان من تلك المقدّمات هو العلم بوجود الجحيم. وشتّان بين مَن يعلم بوجود شيء، وبين مَن يرى ذلك الشيء ويشاهده؛ فإنّ الإنسان يغفل عن الجحيم ووجوده، بمجرّد الغفلة عن المقدّمات التي صاغها البرهان العقلي، فيرتكب بعض المحرّمات.