111نتيجة أن الخالق هو نفسه الرب والمدبّر أيضاً.
قال تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّٰهُ فَقُلْ أَ فَلاٰ تَتَّقُونَ . 1
والدقة في هذه الآيات تقضي بلزوم التفريق بين عبارة لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ وبين جملة سيقولون الله ، لأن (السين) الذي هو حرف استقبال يدلّ على أن جواب السؤال لم يكن حاضراً في أذهانهم، فإذا ما سُئلوا عن خالق السماوات والأرض من هو، فجوابهم هو الله، أما إذا كان السؤال عن مدبّر السماوات والأرض من هو، أو عمّن يرزقكم، أو من يحيي الناس ويميتهم، فجواب كل هذه الأسئلة غير حاضر في أذهانهم، بل كانوا بحاجة إلى بيان الآيات والأدلة لإلفاتهم وتنبيههم إلى أن الخالق نفسه هو من يملك التدبير والربوبية لكل شيء.
يقول عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني: «العرب الجاهليون كانوا يعتقدون بربوبية الله التكوينية، لا ربوبية التدبير والعناية بأمر الخلق التي تقتضي أن يكون بيده نفع الناس وضرّهم». 2
يتّضح مما تقدم أن مشركي الجاهلية كانوا على الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية، فلم يعتقدوا بأن الله هو الربّ والمدبّر للعالم كما لم يكونوا يعبدوه.
ومن أحد الأخطاء الأساسية التي وقع فيها الكتّاب الوهابيون وغيرهم أنهم تصوّروا أن المشركين في الجاهلية كانوا يعتقدون بالتوحيد في الربوبية، وأن مشكلتهم الوحيدة كانت تكمن في التوحيد في العبادة، لكن قد تبيّن أن أولئك كانوا يؤمنون بالله باعتباره خالقاً ومبدأً للعالم، ولم يذعنوا بتدبيره للعالم، فكأن الله خلق العالم وفوّض تدبير أموره إلى الأصنام. وقد نبّه القرآن الكريم مراراً إلى أن نفعكم وضرركم، ورزقكم وحياتكم ومماتكم وصحتكم، وكل حول وقوّة لكم إنما هي بيد الله تعالى، وعلى هذا فالخالق هو بعينه الرب والمدبّر للأمور.