29
دلالة حديث الثقلين:
قوله صلى الله عليه وآله: «إني تارك» أو «إني مخلِّف»: فيه إشعار بعِظم وأهمية ما سيخلِّفه أو سيتركه للأمّة من بعده؛ لأن ما يخلّفه النبي صلى الله عليه وآله للأمّة لا بد أن يكون نفيساً وخطيراً.
ثم إنه - بقرينة ما سيأتي - لا بد أن يكون منبعاً من منابع العلم، ومصدراً من مصادر الهداية والحكمة؛ لأن الأنبياء لا يورِّثون للأمَّة دراهم أو دنانير، وإنما يورِّثون لهم الهداية والعلم والحكمة.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر 1.
وقوله صلى الله عليه وآله: «الثقلين»: ذكرهما النبي صلى الله عليه وآله في الحديث، وبيَّن أنهما: كتاب الله، والعترة النبويّة الطاهرة.
قال ابن حجر: سَمَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وعترته - وهي الأهل والنسل والرهط الأدنون - ثقلين؛ لأن الثقل كل نفيس خطير مصون، وهذان كذلك؛ إذ كل منهما معدن العلوم اللدنية، والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية، ولذا حث صلى الله عليه وسلم على الاقتداء والتمسّك بهم، والتعلم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت. وقيل: سُمِّيا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما 2.
قلت: وهذا المعنى للثقلين ذكره أرباب المعاجم اللغوية، منهم ابن منظور في لسان العرب، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث، والهروي في غريب الحديث، وغيرهم.
قال ابن منظور: قال ثعلب: سُمِّيا ثقلين لأن الأخذ بهما ثقيل، والعمل بهما ثقيل، قال: وأصل الثَّقَل أن العرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثَقَل.