63فإنّ المتأمل في هذه النصوص يظهر له وبوضوح أنّ فكرة التشيّع لعليّ ليست وليدة هذا الظرف المعقّد ، وثمرة اعتلاجه ، ونقيض تصوّره ، بقدر ما تؤكّد على أنّ هذه الفكرة كانت مختمرة في أذهانهم ومركوزة في عقولهم ولسنين طوال ، فلمّا رأت هذه الجماعة انصراف الأمر إلى جهة لم تكن في حساباتهم ولا في حدود تصوّراتهم ، وانحساره عمّا كان معهوداً به إليهم ، عمدوا إلى التمسّك به بالاجتماع في بيت عليّ والإعلان صراحة عن موقفهم ومعتقدهم .
نعم إنّ من غير المتوقع والمعهود أن يجتمع رأي هذه الجماعة - التي تؤلف خلاصة غنيّة من متقدّمي الصحابة - على هذا الأمر في تلك اللحظات المضطربة والمليئة بالمفاجئات ، و أن يترتّب عليه موقف موحّد ثابت ، فهذا الأمر يدلّ بوضوح على أنّه ما كان وليد يومه ونتاج مخاضه .
وممّا يؤكد ذلك ويقوي أركانه ما نقلته جميع مصادر الحديث المختلفة من نداءات رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وتوصياته بحقّ عليّ وعترته وشيعته في أكثر من مناسبة ومكان ، وما كان يشير إليه صلى الله عليه و آله من فضل شيعة عليّ ومكانتهم ، والتأكيد على وجوب ملازمتهم ، وفي هذا دلالة لا تقبل النقض على أنّ التشيّع ما كان وليد السقيفة أو ردّة رافضة آنية لمجريات أحداثها ، بل إنّ هذا الوجود يمتد عمقاً مع نشأة الإسلام واشتداد عوده في زمن النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله وحياته المباركة المقدّسة .
الفرضيّة الثانية : التشيّع صنيع عبد اللّٰه بن سبأ
لنقرأ ما كتبه الطبري حول هذا الوهم المصطنع :قال : «إنّ يهودياً باسم عبد اللّٰه بن سبأ المكنّى بابن السوداء في صنعاء أظهر الإسلام في عصر عثمان ، واندسّ بين المسلمين ، و أخذ يتنقّل في حواضرهم