313ولقد كان الذي دعا عليّاً إلى السكوت والانحياز ، هو مشاهدة ظاهرة الردّة الطارئة على المجتمع الإسلامي عن طريق مسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خويلد الأفّاك ، وسجاح بنت الحرث الدجّالة ، وأتباعهم الرعاع الذين كانوا على الدين الفتيّ خطراً جدّياً كان من الممكن أن يؤدّي إلى محق الإسلام وسحق المسلمين .
ويحدّث عن هذه الحقيقة الإمام في رسالته التي أرسلها مع مالك الأشتر إلى أهل مصر ، حيث يقول فيها : «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد صلى الله عليه و آله فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم» 1 .
رأي الإمام أنّ صيانة الإسلام وردّ عادية الأعداء تتوقّفان على المسالمة والموادعة ، فألقى حبل الخلافة على غاربها ، تقديماً للأهمّ على المهمّ ، وتبعته شيعته صابرين على مضض الحياة ومرّها .
بقي الإمام منعزلاً عن الحكم قرابة ربع قرن إلى أن قتل عثمان في عقر داره ، وانثال الناس إلى دار عليّ من كلّ جانب مجتمعين حوله كربيضة الغنم ، يطلبون منه القيام بالأمر و أخذ مقاليد الحكم ، وفيهم شيعته المخلصون الأوفياء ، فلم ير بدّاً من قبول دعوتهم لقيام الحجّة بوجود الناصر 2 .
ولمّا نكث الناكثون البيعة ، وقادوا حبيسة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله «عائشة» معهم إلى البصرة ، ارتحل الإمام بأنصاره وشيعته إلى العراق إلّا قليلاً بقوا في الحجاز لقلع مادّة الفساد قبل أن تستفحل ، ولمّا قلع عين الفتنة ، استوطن الإمام الكوفة ، واستوطنها معه شيعته ، وصارت الكوفة عاصمة التشيّع ، ومعقله ، وفيها نما وأينع