287فتارة يدعو الإنسان إلى التأمّل فيما حوله من الكائنات لما فيها من دلائل ناطقة على وجوده سبحانه وصفاته . قال سبحانه : «أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا* رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا* وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا* وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا* أَخْرَجَ مِنْهٰا مٰاءَهٰا وَ مَرْعٰاهٰا* وَ الْجِبٰالَ أَرْسٰاهٰا* مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعٰامِكُمْ » 1 .
وأُخرى يدعوه إلى التفكير والاستدلال المنطقي ، فقال سبحانه : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخٰالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لاٰ يُوقِنُونَ 2فعالج المشاكل العلمية والفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة فاحصة ، وأُخرى بالحثّ على التفكير في المعارف بأُسلوب منطقي وبرهاني ، وبذلك أيقظ عقول المسلمين وحثّهم على التأمّل والتدبّر في العلوم المختلفة ، دون التقليد الأعمى والتتبّع غير المتبصّر ، و جعل لأُولئك المكانة المتميّزة .
غير أنّ المسلمين سوى قليل منهم تنكّبوا عن هذا الطريق ، خصوصاً فيما يرجع إلى المعارف العليا ، فصاروا بين مشبّه ومعطّل ، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب والسنّة ، وبذلك استغنوا عن أيّ تعقّل وتفكّر ، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حدّ قال بعضهم في الخالق : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمّا وراء ذلك 3!!! فهؤلاء هم المجسّمة والمشبّهة ، وأمّا غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكّر في اللّٰه سبحانه ، فقالوا : أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبّية ، فمن شَغَل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية ، ولم يدرك الربوبية 4 .