288فالأكثرية الساحقة في القرون الأُولى كانوا بين مشبّه ومعطّل ، غير أنّه سبحانه شملت عنايته أُمّة من المسلمين رفضوا التشبيه والتعطيل ، وسلكوا طريقاً ثالثاً وقالوا بأنّه يمكن للإنسان التعرّف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال والكمال عن طريقين :1 - النظرة الفاحصة إلى عالم الوجود وجمال الطبيعة كما وردت في القرآن الكريم .
2 - ترتيب المقاييس المنطقية للوصول إلى الحقائق العليا ، و هذا أيضاً هو الخطّ الذي رسمه القرآن الكريم ، وسار على هذا الخطّ الأئمّة عليهم السلام من أوّلهم إلى آخرهم .
ترى ذلك في كلام الإمام علي عليه السلام بوضوح ، في أحاديثه وخطبه ورسائله ، ولا يسعنا هنا أن نستعرض ولو بعضاً ممّا له عليه السلام في هذا المجال ، إلّا أنّا نكتفي بحديث واحد .
سأله سائل : هل يقدر ربّك أن يُدخل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغّر الدنيا أو يُكبّر البيضة؟ فقال : «إنّ اللّٰه تبارك وتعالى لا يُنسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون» 1 .
إنّ خطب الإمام علي عليه السلام ورسائله وقصار حكمه كانت هي الحجر الأساس لكلام الشيعة وآرائهم في العقائد والمعارف ، ولم يتوقّف نشاط الشيعة في ذلك المجال ، بل ونتيجة لتوالي الأئمة عليهم السلام إمام بعد إمام ، كان يعني ذلك استمرار عين المنهج السابق الذي ربّىٰ عليه الإمام عليّ عليه السلام شيعته ، فواصل الأئمّة من بعده - عليهم وعليه السلام - في حياتهم تربية شيعتهم ، فشحذوا عقولهم بالدعوة إلى التدبّر والتفكّر في المعارف ، حتّى تربّى في مدرستهم عمالقة الفكر من عصر سيّد