204الفتوى بتكفير أحدهما للآخر، والحكم بوجوب قتله ومقاتلته، كما يريد عدوّهم من إثارة هذه النعرات بتأجيجه لهذه الخلافات والاختلافات.
فالشيعة كانت فرقة واحدة، وهو أمر معروف لدى جميع من قرأ التاريخ؛ إذ لم يكن منازع في بداية الأمر للإمام علي(عليه السلام)، فعاشوا جنباً إلى جنب الإمام علي(عليه السلام)، يأتمرون بأمره، يأخذون عنه أمر دينهم ودنياهم، مظهرين له الحبّ والولاء بأروع صوره، ثمّ جاء بعده دور الإمام الحسن(عليه السلام)، وعندها دبّ الفساد بين صفوفهم، وذلك عندما استطاع العدو أن يتغلغل بين صفوفهم، وتمكّن من شراء ذمم ضعيفي الإيمان بأمواله، وكاد لهم كيداً، حتّى انتهى إلى تحقيق مآربه في زرع الفتن والفرقة بين أنصار الإمام الحسن(عليه السلام)، فبدأت جماعة تخذله بمناصرتها لعدوّه عليه، وعندها ظهر قرن الشيطان والنفاق من جديد، كما كان في زمن النبي(صلى الله عليه وآله) من قبل المنافقين، فلمّا علم الإمام الحسن(عليه السلام) منهم ذلك، لجأ إلى عقد معاهدة الصلح مجبراً عليها، مقيّداً لها بقيود وشروط كان على المتعاقدين الالتزام بها، غير أنّ الطرف الآخر لم يلتزم بواحدة منها بعد ذلك، وقد كشف عن سوء نيّته وخبث سريرته، وذلك حينما خاطب أهل العراق بقوله:
إني والله ما أقاتلكم لتصلّوا ولا تصوموا ولا تحجّوا ولا تزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون، وإنّي منيت الحسن، وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي، ولا أفي بشيء منها 1.
وقد قال المسيب بن نجية الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي للإمام الحسنبن علي(عليه السلام):
ما ينقضي تعجبّنا منك بايعت معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز!
فقال الحسن: كان ذلك فما ترى الآن؟
فقال: والله أرى أن ترجع؛ لأنّه نقض العهد.
فقال: يا مسيب، إنّ الغدر لا خير فيه، ولو أردت لما فعلت.