82المسلمين، وأُشهرت الحراب في وجوههم وتغاضت عن الحكّام ومنكراتهم وجرائمهم.
والحنابلة لم يكن يعنيهم أمر المسلمين ولا مصالحهم، وإنّما كان يعنيهم رواياتهم وآثارهم التي تمثّل الدين في تصوّرهم القاصر والفرقة الناجية من النار، وكلّ مَن يحاول المساس بهذه الروايات والآثار أو يقلّل من شأنها هو من الضآلين الهالكين.
وأبصار الحنابلة كانت متّجهة دائماً نحو الآخرة، ولم يكن يعنيهم من أمر الدنيا شيء، فمن ثمّ تسلّحوا بعقل الماضي وغابوا عن الواقع وعن قضاياه ومستجدّاته التي اعتبروها من عمل الشيطان بمثابة بِدع، وتضل الناس عن سبيل الله.
وقد حمل ابن تيمية هذا العقل وتصدّى به لخصومه من المسلمين ليخلق لنا صوراً جديدة من فتن الحنابلة لم يحتملها الواقع آنذاك.
الفقهاء وابن تيمية
وكان ردّ الفعل من قِبل الفقهاء هو مايلي:
منهم مَن طالب بقطع لسانه.
ومنهم مَن طالب بنفيه.
ومنهم مَن طالب بحبسه.
كان ابن تيمية طويل اللسان وكثير السبّ لمخالفيه، ولم يسلم من لسانه أحد، فقد سبّ: الغزالي، والأشاعرة، وسيبويه، وابن عربي، والرازي الذي كان كثير الحطّ عليه، وكان لسانه مسلّطاً على الشيعة أكثر من غيرهم.
في ربيع الأوّل من عام 698ه- ثار عليه الفقهاء بسبب فتوى له سمّيت بالفتوى الحموية وعقدت له جلسات، وأعلنت عليه الحرب من قِبَل الجميع.
وطلب إلى مصر أيّام ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وعقد له مجلس في مقالة قال بها، فطال الأمر وحكموا بحبسه بالإسكندرية، ثمّ إنّ الملك الناصر لمّا جاء من الكرك أخرجه.