254الأساليب والطرق إبعادَهم عن المدينة وتخليتها منهم. وأهمّ التدابير التي اتّخذها النبيّ الكريم (ص) لتحقيق ذلك هو إنفاذه جيشَ اسامة، وأمْرهُ الجميعَ بالالتحاق به، مع علمه (ص) بقرب رحيله، بل شدّد كثيراً على عدم التخلّف عن هذا الجيش إلى درجة أنّه لعن المتخلّف عن هذا الجيش، لكن رغم هذا الإصرار الشديد فقد كان هناك عنادا من قبل البعض وإصرارا عجيبا على عدم الخروج من المدينة، والبقاء قريباً من مركز الحدث من خلال التخلّف عن الالتحاق بهذا الجيش!
فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد بن حنبل في مسنده، عن عبدالله بن عمر في مسألة التخلّف عن جيش أُسامة، قال (اللفظ للبخاري):
«فطعن الناسُ في إمارته [أُسامةَ بن زيد]، فقام رسولُ الله (ص) فقال: (إن تَطعَنوا في إمارَتِهِ فَقَد كُنتُم تَطعَنونَ في إمارَةِ أبيهِ مِن قَبلُ، وَأيمُ الله إن كانَ لَخَليقاً لِلإِمارَةِ، وإن كانَ لَمِن أحَبَّ النّاسَ إلَيَّ، وإنّ هذا لَمِن أحَبَّ النّاس إلَيَّ بَعدَهُ)» 1.
وأخرج الذهبي في (تاريخ الإسلام)، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
«جعل رسولُ الله (ص) يقول في مرضه: (أنفِذوا جَيشَ أُسامَةَ)... فسار حتّى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرَأَته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل، فإنّ رسول الله ثقيل، فلمّا يبرح حتّى قُبض رسول الله (ص) » 2.
وهذا غريب حقّاً، فكيف يعصى أمر رسول الله (ص) ، وتطاع فاطمة بنت قيس؟!
وقال الشهرستاني في بيان مخالفات الصحابة للنبيّ الأكرم (ص) بعد ذكره للمخالفة الأُولى (رزيّة يوم الخميس): «الخلاف الثاني في مرضه، أنّه قال: (جَهِّزوا جَيشَ أُسامَةَ، لَعَنَ اللهُ مَن تَخَلَّفَ عَنهُ)، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتدّ مرضُ النبيّ عليه الصلاة والسلام، فلا تَسعُ قلوبُنا مفارقَته والحالة هذه،