241فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك.
فلمّا جلسنا قليلاً تشهّد خطيبُهم، فأثنى على الله لما هو أهله ثمّ قال: "أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشرَ المهاجرين رَهط، وقد دفت دافة من قومكم. فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر".
فلمّا سكَت، أردتُ أن أتكلّم وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أُريد أنّ أُقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحدّ، فلمّا أردتُ أن أتكلّم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أُغضبه، فتكلّم أبو بكر فكان هو أحلم منّي وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلّا قال في بديهته مثلَها أو أفضل حتّى سكت، فقال:
ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولم يُعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحدَ هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم.
فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح، وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن أُقدَّم فتُضربَ عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، اللّهم إلّا أن تُسوّل إليّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.
فقال قائل الأنصار: أنا جَذيلُها المحَكّك، وعُذيقُها المُرجَّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتّى فرقتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايَعته الأنصارُ، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعدَ بن عبادة! فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.
قال عمر: وانّا - والله - ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبيبكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا؟ فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإمّا نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين