217منزلة هارون من موسى عليهما السلام بكلّ أبعادها، بما في ذلك استخلافه على قومه عندما ذهب موسى عليه السلام إلى لقاء ربّه تبارك وتعالى كما سيتّضح لاحقاً.
وخصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف السياسيّة التي أحاطت بالمدينة آنذاك، فإنّ الألفاظ التي تصرّح بهذه الحقيقة في الحديث هي قول النبيّ (ص) : «إنَّهُ لابُدَّ أن تُقيمَ أو أُقيمَ»، فإنّ هذا التعبير صريح في أنّ المدينة المنوّرة - التي كانت عاصمة الحكومة الإسلاميّة آنذاك - قد أحاطت بها ظروف وملابسات خاصّة اقتضت أن لايُغادرها النبيّ الأكرم (ص) ، كما أنّه لا يمكن السكوت عن الخطر الداهم الذي كانت تواجهه الحكومة الإسلاميّة من قبل الإمبراطوريّة الرومانيّة في ذلك الحين، والذي كان يتطلّب من النبيّ (ص) الخروج بشخصه المبارك لتقوية عزيمة المسلمين تجاه أعتى قوّة عسكريّة في المنطقة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار طول المسافة بين المدينة وتبوك التي كان من المفروض وقوع المعركة فيها، واستعداد الروم لغزو الجزيرة العربيّة والقضاء على الرسالة الإسلاميّة؛ انطلاقاً من ذلك المكان.
وقد كان ذلك العام عام جدب، وتزامن الخروج مع صيف الجزيرة الشديد الحرارة، ممّا أوجب تقاعس بعض المسلمين، وتثبيط المنافقين لعزيمة المقاتلين في الجيش الإسلامي، كلّ ذلك جعل وجود النبيّ (ص) في تلك المعركة ضرورة لابدّ منها، وإلّا فلا يمكن الخروج بجيش قادر على مواجهة الروم، والشاهد على ذلك تخاذل المسلمين في المرّة اللاحقة عن جيش أُسامة عندما كان الرسول (ص) مريضاً.
ولا شكّ في أنّ الموقف الصائب في مثل هكذا تزاحم هو استخلاف النبيّ (ص) في المدينة من يحمل خصائصه الرساليّة ويكون قادراً على ملء الفراغ الذي يُخلّفه خروج النبي (ص) إلى غزوة تبوك. ولم يكن أحدٌ من الصحابة يمتلك هذا المقام الإلهيّ إلّا عليّ عليه السلام ، الذي كان نفس النبيّ (ص) بصريح آية المباهلة، وكان الناطق الرسمي عن رسول الله من أهل بيته كما هو صريح الحديث الوارد في تبليغ سورة براءة، عندما قال جبرائيل عليه السلام للنبيّ (ص) : «لَن يُؤَدّي عَنكَ إلّا أنتَ أو رَجُلٌ مِنكَ»كما سيأتي بيانه