123أسباب نزولها، أو نحو ذلك، وقد صرّح العلماء بذلك في مباحث علوم القرآن، قال الزركشي في كتابه (البرهان): «وقد ينزل الشيء مرّتين؛ تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرّتين، مرّة بمكّة وأُخرى بالمدينة» 1.
ثمّ استشهد الزركشي بعد ذلك على صحّة مقالته ببعض الأمثلة، حيث أورد جملة من الآيات التي ورد سبب نزولها في الصحيحين بنحو، وفي المجامع الحديثية الأُخرى بنحو آخر، قال: «ومثله ما في الصحيحين، عن ابن مسعود في قوله تعالى: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ » أنّها نزلت لمّا سأله اليهود عن الروح، وهو في المدينة، ومعلوم أنّ هذه في سورة (سبحان) 2وهي مكّية بالاتّفاق، فإنّ المشركين لمّا سألوه عن ذي القرنين وعن أهل الكهف، قيل ذلك بمكّة، وأنّ اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك، فأنزل اللهُ الجواب، كما قد بُسط في موضعه.
وكذلك ما ورد في «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» أنّها جوابٌ للمشركين بمكّة، وأنّها جوابٌ لأهل الكتاب بالمدينة».
ثم قال: «والحكمة في هذا كلّه أنّه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمّنها، فتؤدّى تلك الآية بعينها إلى النبيّ (ص) تذكيراً لهم بها، وبأنّها تتضمّن هذه... وما يذكره المفسّرون من أسبابٍ متعدّدة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب، لاسيّما وقد عُرف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنّه يريد بذلك أنّ هذه الآية تتضمّن هذا الحكم، لا أنّ هذا كان السبب في نزولها» 3.
ويؤيّد ذلك أنّ البخاري ومسلم قد ذكرا في صحيحيهما أسباباً وأزمنة وأمكنة