47
الصدّ عن زيارة القبور صدٌ عن الآخرة ودعوة للعكوف على الدنيا
حيث تدل الآية على أن الموت انتقالٌ من دار إلى دار ويريد الميت أن يرجع كما ورد في الحديث النبوي: (وإنما تنقلون من دار إلى دار) ويقسم بها الإنسان الميت عند سوقه إلى الممر الذي يؤدي به إلى البرزخ والآيات والروايات الدالة على الحياة البرزخية أكثر من أن تحصى، فالصد عن زيارة القبور صدٌ عن التوجه إلى الآخرة ودعوة إلى العكوف على الدار الدنيا الذي هي مرام الدهريين وقد تكرر في القرآن الكريم التعبير عن الموت بأنه وفاة وتوفي والوفاء هو التمام والإتمام واستيفاء التمام كما في قوله تعالى «حَتّٰى إِذٰا جٰاءَتْهُمْ رُسُلُنٰا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» 1.
فالتعبير بتوفته أي أنهم يستوفون تمام ذات الإنسان من دون نقص أي أن تمام حقيقة ذاته تستوفيها الملائكة عند الموت ولا يبقى منها شيء في دار الدنيا بل ينتقل بتمامه إلى البرزخ ومن ثَم فذات الإنسان لا تتبدد ولا تفنى كما يزعم هؤلاء المنكرون للدار الآخرة وقد أطلق على نفس هذا الفعل أنه نزعٌ أي نزعٌ للروح عن البدن وانتقال بها إلى بدن برزخي كما في قوله تعالى: «وَ النّٰازِعٰاتِ غَرْقاً» 2.
وأطلق عليه السَوق و الانتقال والحركة أيضاً كما في قوله تعالى: «وَ الْتَفَّتِ السّٰاقُ بِالسّٰاقِ* إِلىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسٰاقُ» 3 وقوله تعالى: «كَلاّٰ إِذٰا بَلَغَتِ التَّرٰاقِيَ» 4.
فيشير إلى نزع الروح وبلوغها التراقي حين الموت وأنه حينئذٍ تساق ذات الإنسان وروحه إلى الله فلا تفنى ولا تتبدد، ولو أردنا أن نخص الآيات في ذلك لطال بنا المقام فهؤلاء في دعوتهم للصد عن زيارة القبور يصدون عن سبيل الآخرة ويزعجهم ويؤرقهم تذكر الآخرة فيريدون من الناس العكوف على دار الدنيا والالتهاء بها والغفلة عن دار الجزاء والغفلة عن الموت والانشغال بمتاع الدنيا فكم هي دعوة هدَامة يُروج لها أبناء الدنيا