152 ويدينون بأجمعهم لله تعالى بطاعته بما فيهم كبار الملائكة المقربين، وهم في كل ما يقومون به من أدوار عظيمة في عالم الإمكان والكون خاضعون لولي الله، وهو خضوع حقيقي قائم على أساس العلو الرتبي التكويني لخليفة الله تعالى.
قال تعالى: «وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي خٰالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصٰالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ» 1 حيث عَبر الباري تعالى «فَقَعُوا» ولم يكتف بذكر مادة السجود بل عبر بالوقوع الفوري، وهذا فيه نوع من التشديد والتأكيد لمعنى الخضوع والتعظيم الخاص بشؤون الخليفة.
فإذا كل خليفة لله هو الباب الأعظم لملائكته، وحينئذٍ يكون الأمر بالسجود والخضوع للخليفة شامل للأنبياء، وخصوصاً أولي العزم منهم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى والرسول الأكرم (ص) وأوصيائه عليهم السلام ، فالملائكة المقربون وغيرهم بابهم إلى الله تعالى خليفة الله الذي يُنبئهم بالأسماء والمقامات.
كما عقب الباري تعالى بعد هذه الآية بقوله «فَسَجَدَ الْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ » 2 على أن الأمر بالسجود كان لجميع الملائكة ولم يكتف بدلالة الجمع المحلى بأل «اَلْمَلاٰئِكَةُ » بل أردف بالتأكيد ب- «أَجْمَعُونَ » و «كُلُّهُمْ » للدلالة على الاستغراق، وبذلك شامل لجبرئيل واسرافيل وميكائيل عليهم أفضل الصلاة والسلام الذين لهم دورٌ في شؤون الخلقة والوحي النبوي.
ففي عالم الغيب الذي هو خال عن نشأة التشريع الأرضي، وليس خالٍ عن الدين الإلهي، كما قال تعالى: «وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» 3، افتقرت الملائكة إلى أن يكون بينهم وبين الله تعالى واسطة في الخضوع والإنباء والمعرفة والعبادة والتقرب إلى الله تعالى، وهذه الواسطة هو خليفة الله آدم عليه السلام ووليه حيث أمرهم الله التوجه إليه والخضوع له، وهو شرط أوبتهم وقبول عبادتهم وحظوتهم بالمقامات العالية، فما بالك بالنشآت الأخرى؟