46يبعد الأمر عند الشيء ولا يرتفع كما يقرب من الشيء ولا يقع عنده الا ترى أن عبوس الداعي إلى طعامه وتضجّره منفّر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من أن يكون منفّراً وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسّمه يقرب من الحضور والتناول، وقد يرتفع عنده ذلك لا يقال هذا يقتضى أن لا تقع الكبائر عنهم حال النبوّة والإمامة، وأمّا قبلها فلا لزوال حكمها بالتوبة المسقطة للعقاب والذمّ، ولم يبق وجه يقتضي التنفير؛ لأنّا نقول أنّا لم نجعل المانع عن ذلك استحقاق العقاب والذمّ فقط بل ولزوم التنفير أيضاً، وذلك حاصل بعد التوبة، ولهذا نجد ذلك من حال الواعظ الداعي إلى الله وقد عهد منه الإقدام على كبائر الذنوب وإن تاب عنها، بخلاف من لم يعهد منه ذلك، والضرورة فارقة بين الرجلين فيما يقتضى القبول والنفور، وكثيراً ما نشاهد أنّ الناس يعيّرون من عهد منه القبائح المتقدّمة، وإن حصلت منه التوبة والنزاهة ويجعلونها نقصاً وعيباً وقدحاً، غاية ما في الباب أنّ الكبائر بعد التوبة أقلّ تنفيراً منها قبل التوبة ولا تخرج بذلك عن كونها منفّرة.
إن قلت: فلم قلتم إنّ الصغائر لا تجوز عليهم مطلقاً ولا تنفير فيها، قلت بل التنفير حاصل فيها أيضاً عند التأمّل؛ لأنّ اطمئنان النفس وسكونها إنّما هو مع الأمن عن ذلك لامع تجويزها، والفرق بأنّ الصغائر لا توجب عقاباً وذمّاً ساقط؛ لأنّ المعتبر التنفير كما ذكرنا مراراً، ألا ترى أنّ كثيراً من المباحات منفّرة، ولا ذمّ ولا عقاب فيها، وكيف لا يكون ذلك موجباً للتنفير مع أنّ الخصم حكم على بعض الاجتهادات البعيدة من الشاهدة بكونه
منفّراً للعوام مع تصريحهم بأنّ المجتهد المخطئ مثاب». 1
قال أبو المعالي الجويني في رسالته المعمولة في بيان حقيّة مذهب الشافعي: «قد اتفق للشافعي أصل مقطوع ببطلانه على وجه أجمعت الأمّة شارقة وغاربة أرضاً فأرضاً طولاً وعرضاً على بطلان ذلك الأصل وهو أنّه لم يجز نسخ السنّة بالكتاب ولم يجوز نسخ الكتاب