132وأمّا ما أخرجه ابن أبي حاتك عن ابن عباس فالمنافاة فيه ظاهرة، ولو وافق فيه ابن عباس جميع من في الدنيا، وإنّما يندفع لو لم يكن نزول السكينة على النبيّ (ص) لا يعاقبه، ولا ريب في أنّ ارتكاب انفكاك الضمير بلا قرينة ظاهرة لا يليق بفصيح الكلام فضلاً عن أفصح الكلام.
وأمّا ما ذكره من «أنّ جلالة ابن عباس قاضية بأنّه لولا علم...» فمدفوع بأنّه لا كلام في جلالة ابن عباس رضى الله عنه ، لكن الكلام في رداءة الراوي عنه، المتهم بإباحته للوضع على أفضل من ابن عباس؛ لنصرة مذهبه كابن أبي حاتم أو غيره، من الوسائط المذكورة في الإسناد.
وقد أفاد بعض أجلّة مشايخنا أنّ الله سبحانه لم ينزل السكينة على نبيّه (ص) في موطن كان معه أحد من أهل الإيمان إلّا عمّهم بنزول السكينة وشملهم بذلك، كما في قوله تعالى: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ *
ثُمَّ أَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، 1 ولمّا لم يكن مع النبيّ (ص) في الغار إلّا أبو بكر، أفرد الله سبحانه نبيّه (ص) بالسكينة وأيّده بجنود لم تروها، فلو كان الرجل مؤمناً يجري مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم، ولولا أنّه أحدث بحزنه في الغار منكراً لأجله توجه النهي إليه عن استدامته؛ لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضّل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله (ص) في المواطن على ما جاء في القرآن، ونطق به محكم الذكر بالبيان، وهذا واضح لمن تأمله.
ردّ دعوى أنّ المقصود بقوله تعالى: وَ الَّذِي جٰاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ، بقول عليٍّ(ع) هو أبو بكر
قال ابن حجر: «وأخرج البزار وابن عساكر أنّ علياً قال في تفسير: وَ الَّذِي جٰاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 2، الذي جاء بالحقّ هو محمد(ص)، والذي صدّق به أبو بكر، قال ابن عساكر: هكذا الرواية بالحقّ ولعلّها قراءة لعلىّ». 3