129مرّ بنا، أنّه ليس المقصود في الآية نفي مجرّد نعمة النبيّ (ص) عن ذلك الأتقى، بل نفى نعمة كلّ واحد من الناس، وكما أنّ علياً (ع) كان في حجر تربية النبيّ (ص) كان أبو بكر في حجر تربية أبيه وأمّه، والفرق بين التربيتين تحكّم صرف لا يقول به إلّا المكابر.
ثامناً: إنّ أقلّ الأمر أنّ عند أبي بكر نعمة هداية النبيّ (ص) فكيف ينفى عنه نعمة الكل حتّى النبيّ (ص) ؟! وما توهّمه رئيس المشككين فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير من أنّ نعمة الهداية لا تجزي مستدلاً عليه بقوله تعالى: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً 1 معارض بل مخصّص بقوله تعالى: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ ، 2 ويدلّ على أنّ المراد من الأجر المنفي في مثل هذه الآية هو المال لا مطلق الأجر، كما في قوله تعالى في سورة هود حكاية عن نوح (ع) : وَ يٰا قَوْمِ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مٰالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّٰ عَلَى اللّٰهِ ، والضمير في (عليه) راجع إلى ما
سبق من قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . 3
تاسعاً: إنّ قوله في آخر كلامه «للإجماع على أن ذلك الأتقى هو احدهما لا غير» يناقض ظاهر قوله أوّلاً «أجمعوا على أنّها نزلت في أبي بكر»؛ لأنّ الإجماع على الواحد المعين غير الإجماع على المردد بين الاثنين كما لا يخفى، ولنعم ما قيل: «لا حافظة لكذوب» فأحفظ هذا ودقّق به متأمّلاً.
ردّ دعوى فضيلة الكينونة في الغار
قال ابن حجر: «أجمع المسلمون على أنّ المراد بالصاحب في قوله تعالى: ثٰانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمٰا فِي الْغٰارِ إِذْ يَقُولُ لِصٰاحِبِهِ لاٰ تَحْزَنْ إِنَّ اللّٰهَ مَعَنٰا فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهٰا 4 أبو بكر، ومن ثمّ من أنكر صحبته كفر إجماعاً، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابنعباس أنّ الضمير في فَأَنْزَلَ اللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ لأبي بكر ولا ينافيه وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ ؛ إرجاعاً للضمير في كلّ إلى ما يليق به،