130وجلالة ابن عباس قاضية بأنّه لولا علم في ذلك نصّاً؛ لما حمل الآية عليه مع مخالفة ظاهرها له». 1
أقول : الاستدلال بهذه الآية على فضيلة أبي بكر إمّا من حيث مجرّد كونه مع النبيّ (ص) في الغار، وإمّا من حيث وصفه بكونه ثاني اثنين للنبيّ (ص) فيه كما ذكر فخر الدين الرازي في تفسيره، أو من حيث تسميته صاحباً للنبيّ (ص) ولا دلالة لشيء منها على ذلك.
أمّا الأوّل: فلأنّه شاهد عليه بالنقص، لا بالفضيلة ولا بالاعتبار؛ لأنّ النبيّ (ص) لم يأخذه معه للأنس به كما توهموه؛ لأنّ الله تعالى قد آنسه بالملائكة ووحيه، وتصحيح اعتقاده، أنّه تعالى يُنجز له جميع ما وعده، وإنّما أخذه لأنّه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه احتياطاً في كتمان سرّه، ولمّا دخل معه (ص) في الغار في حرز حريز ومكان مصون، بحيث يؤمن الله تعالى على نبيّه (ص) مع ما ظهر له من تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على
بابه، لم يثق مع هذه الأمور بالسلامة ولا صدّق بالآية، وأظهر الحزن والمخافة حتّى غلبه بكاؤه، وتزايد قلقه واضطرابه، وابتلى النبيّ (ص) في تلك الحال بمماشاته واضطرّ إلى مداراته، ونهاه عن الحزن وزجره، ونهى النبيّ (ص) وزجره، فلا سبيل إلى صرفه إلى المجاز بغير دليل، وقد ظهر من جزعه وبكائه ما يكون في مثله فساد الحال في الاختفاء، فهو إنّما نهى عن استلزامه ما وقع منه، ولو سكن نفسه إلى ما وعد الله تعالى ونبيه (ص) وصدّقه فيما أخبره به من نجاته، لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه ولا انزعج قلبه في الموضع الذي يقتضى سكوته فتدبّر.
وأمّا الثاني: فلأنّ قوله تعالى: ثٰانِيَ اثْنَيْنِ بيان حال للرسول (ص) باعتبار دخوله الغار ثانياً ودخول أبي بكر أوّلاً، كما نقل في السير، وعلى التقديرين لا فضيلة فيه لأبي بكر؛ لأنّه إخبار عن عدد ونحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً وآخر اثنان، كما نعلم أنّ مؤمناً ومثله اثنان، فليس في الاستدلال بذكر هذا العدد طائل يعتمد عليه وكذا الاستدلال بما يلزمه من اجتماع أبي بكر مع النبيّ (ص) في ذلك المكان؛ لأنّ المكان يجتمع فيه المؤمنون وغيرهم، وأيضاً فإنّ مسجد