115وأمّا ما ذكره بعده التنزّل فهو أنزل ممّا تنزل منه لأنّ ما أتى به فيه من إنكار العموم منع للمقدمة المستدل عليها، حيث استدلّ الخصم على العموم بما نقله من قولهم، وإلا لما صحّ الاستثناء فافهم.
وقوله «بل المراد...» مردود بأنّ الكلام في الدلالة لا في الإرادة، وأنّى له إثبات المراد وكيف يبقى بعد ظهور دلالة اللّفظ على عموم المنازل دلالة ظاهرة للفظ الحديث على ما ذكره من التخصيص المخالف للأصل والظاهر؟!
وأمّا ما ذكره من «أنّ قول موسى (ع) : اخلفني في قومي لا عموم له...» ففيه أنّه إن لم يكن له عموم بحسب الصيغة لكنّه يفيد العموم بحسب العرف كما في قولنا: «اللّهم وفقنا لما تحب وترضى» فكما أنّ العرف يفهم هنا العموم لا طلب التوفيق في وقت دون وقت، فكذا فيما نحن فيه؛ ويفهم من ذلك أنّ المطلوب الخلافة الثابتة مدّة حياة الخليفة لا الخلافة المستعقبة للعزل، ولأنّ الغرض من ذلك الاستخلاف هو مراعاة مصالح الرعيّة؛ وذلك بعد الموت أهمّ إذ مراعاتها وقت الغلبة ممكنة للمستخلف، وأمّا بعد الموت فغير ممكنة، وبالجملة لا خفاء في كون ذلك ظاهراً في العموم؛ وبناء الدليل على الظاهر والعدول عنه من غير ضرورة غير جائز. وأمّا تخصيص الخلافة بوقت معين فمن الظاهر أنّه خلاف الظاهر فكيف يدعى كونه متبادراً.
وأمّا ما ذكره من «أنّ عدم الشمول لما بعد الوفاة إنّما هو لقصور اللّفظ» فإنّما نشأ عن قصور فهمه، وإلا فاللفظ قد خيط على قدِّ المعنى سواءٌ بسواءٍ كما عرفت.
وأمّا ما ذكره من «أنّ عزل هارون عن الخلافة بعد موسى (ع) كمال له لأنّه يوجب
استقلاله في الرسالة وأنّ ذلك أعلى من كونه خليفة له وشريكاً في رسالته» فمردودٌ بأنّه لو سلم أنّه كان شريكاً له في النبوّة والرسالة، فلا يلزم استقلاله فيها بعد وفاة موسى (ع) ، إذ الشركة لا تقتضي استقلال التصرف في حصة الشريك بعد وفاته لجواز ضم آخر إليه بدله؛ على أنّه إذا كان هارون شريكاً لموسى في النبوّة غير مستقل فيها كما هو صريح عبارته فيلزم منه أن يكون موسى (ع) أيضاً كذلك، ولم يقل أحد بأنّهما عليهما السلام كانا نبياً واحداً مستقلاً، وهو ظاهر. وأيضاً لو صحّ ذلك لما تميز عن هارون بكونه من أولي العزم دونه، ولما نسب نزول