114الحديث وسببه يبيّنان ذلك البعض لما مرّ أنّه إنّما قاله لعليّ حين استخلفه فقال علي كما في الصحيح: «أتخلفنى في النساء والصبيان؟!» كأنّه استنقص تركه وراءه فقال له: «إلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟!» يعنى حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال له: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ 1، وأيضاً فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كلّ معاصريه افتراضاً ولا ندباً، بل كونه أهلاً لها في الجملة؛ وبه نقول وقد استخلف(ص) في مرار أخرى غير علىّ كابن أم مكتوم ولم يلزم فيه بسبب ذلك أنّه أولى بالخلافة بعده». 2
أقول : يظهر من تفرّد الآمدي من بين جميع المتسمّين بأهل السنّة ومحدّثيهم بنفي صحّة الحديث أنّه لما ظهر عليه قوة دلالة هذا الحديث على إمامة علي (ع) التجأ إلى القدح في صحّته كما هو دأب قومه، وإنّما لم يوافقه غيره من المتأخرين في ذلك لما رأوه من غاية الشناعة في إنكار صحّة ما ملأ به المتقدمون كتبهم، ولعمري لو تفطّن متقدّموهم لذلك لأخفوه ولم يكثروا من ذكره كما هي عادتهم في جحد الحقّ والشهادة بالباطل كما تشهد به مؤلفاتهم، إذ كلّ ما ندعيه فيه شواهد من كتبهم نصوص أئمتهم ممّا لا يقدرون على إنكاره في خيار كتبهم عن خيار مصنفيهم وقد أوضحنا ذلك في هذا التعليق بعون وليّ التوفيق، ولتوجه الشناعة ترى المتأخرين منهم قد عدلوا عن القدح في صحّة سنده، بل ذهبوا إلى القدح في دلالة متنه
بالتأويل والتخصيص الذي هو أشنع من الأوّل كما أتى به ابن حجر، ولا يخفى أنّه يظهر ممّا فعله الآمدي أنّه لا يبالي بما في الصحيحين ولا يعتقد بصحّة ما فيهما من الأحاديث كلّاً أو بعضاً، فأحفظ هذا.
وأمّا ما ذكره من «أنّ الشيعة لا يرون أخبار الآحاد حجّة في الإمامة» فهب أن يكون كذلك لكنّهم جعلوا الاحتجاج بها إلزامياً لأهل السنّة، فلا يلزم أن يكون جميع دلائلهم على هذا المطلب تحقيقياً.